مع اقتراب كل استحقاق تشريعي يتجدد بإقليم القنيطرة مشهد بات يطبع العلاقة بين عدد من المرشحين والناخب، ويتمثل في عودة مكثفة إلى الواجهة العمومية بعد غياب امتد لسنوات عن قضايا الساكنة وعن الفعل المؤسساتي داخل قبة مجلس النواب، في وقت تظهر فيه إلى جانب ذلك وجوه جديدة ترفع شعارات التغيير دون أن تقدم بالضرورة تصوراً واضحاً أو التزاماً قابلاً للقياس، مما يطرح السؤال الجوهري حول طبيعة هذا الحضور: هل هو تعبير عن التزام سياسي مستمر أم مجرد “موسم” للتواصل الانتخابي ينتهي بإعلان النتائج؟
فعلى المستوى الدستوري والمؤسساتي تضطلع مهمة النائب البرلماني بأدوار محددة تتمثل في التشريع ومراقبة العمل الحكومي والترافع عن قضايا الدائرة، إلا أن المتابعة الميدانية بإقليم القنيطرة تسجل غياباً شبه تام عن الميدان طيلة الولاية، وغياب لقاءات تواصلية دورية، وضعفاً في تتبع الملفات الحيوية المرتبطة بالتشغيل والصحة والتعليم والبنية التحتية والنقل المدرسي ومسالك العالم القروي، إلى جانب ضعف ملحوظ في تسجيل الأسئلة الكتابية والشفوية التي تهم الإقليم وغياب حصيلة عمل معلنة تقدم للرأي العام.
ومع فتح باب الترشيحات تتغير معادلات التواصل لتبدأ زيارات ميدانية مكثفة وتجمعات ومواكب، ويتم في عدد من الجماعات الترابية توظيف مظاهر مرتبطة بالعادات الاجتماعية كإيقاعات “الغياطة والطبالة ” و”الرفيسة بالدجاج البلدي” والولائم الجماعية ضمن السياق الدعائي خاصة في المناطق التي تعرف هشاشة اجتماعية أكبر، وهو أمر وإن كان يدخل في إطار التواصل الشعبي فإنه يطرح إشكالاً عميقاً عندما يغيب عنه البرنامج السياسي ويتحول إلى بديل عن تقديم التزامات واضحة ومشاريع قابلة للتنفيذ.
كما يشهد المشهد الحالي قطبين بارزين، الأول يتمثل في مرشحين جدد يدخلون المعترك السياسي لأول مرة، والثاني في مرشحين قدامى يعودون لطلب تجديد الثقة رغم غياب حصيلة ملموسة، ويلجأ بعضهم إلى ظاهرة “الترحال السياسي” عبر تقديم الاستقالة من أحزابهم والانتقال إلى أحزاب أخرى قبيل الانتخابات في سلوك يفرغ الانتماء الحزبي من مضمونه الفكري ويحوله إلى مجرد وسيلة للوصول إلى المقعد. والأخطر في هذا السياق هو اتساع الفجوة بين سقف الوعود المعلنة خلال الحملة والمتعلقة بالتشغيل والماء والطرق والصحة وبين الترجمة الفعلية لهذه الوعود على أرض الواقع، إذ لا تتبعها مبادرات تشريعية أو ترافعات مؤسساتية أو تتبع للمشاريع بعد انتهاء الاستحقاق، فتبقى نفس الاختلالات قائمة إلى حين عودة الخطاب نفسه في الاستحقاق الموالي.
إن إقليم القنيطرة بمؤهلاته البشرية والاقتصادية والفلاحية والصناعية في حاجة ماسة إلى تمثيلية برلمانية حاضرة ومؤثرة لا تقاس بحجم الحضور خلال أيام الحملة بل بحجم الأسئلة المطروحة وبالمشاريع التي تم الترافع من أجلها وبمستوى الالتزام الذي يستمر على مدار السنة، وهو ما يستدعي الانتقال من منطق الموسمية إلى منطق ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبار أن صوت الناخب عقد سياسي وأمانة وليس لحظة عابرة، وأن الرهان الحقيقي اليوم هو على وعي الناخب القنيطري القادر على التمييز بين خطاب المناسبة وخطاب الحصيلة، وبين من يبحث عن مقعد ومن يبحث عن حلول حقيقية لقضايا المواطنين.





