الاخبارمجتمع
أخر الأخبار

المفكر عبد الله لخلوفي يطلق ناقوس التنبيه بشأن العزوف عن صلاة الجمعة ويحذر من تداعياته على الأمن الروحي للشباب

في مقال يحمل نبرة تحذيرية، يسلط المفكر الدكتور عبد الله لخلوفي الضوء على ظاهرة العزوف عن أداء صلاة الجمعة، معتبراً أن تراجع الإقبال على المساجد، إن تأكد واتسع نطاقه، يستدعي وقفة جادة من المسؤولين عن تدبير الشأن الديني بالمملكة، لما قد تكون له من انعكاسات على الأمن الروحي للمواطنين، ولاسيما فئة الشباب.

ويربط لخلوفي، في مقاربته للموضوع، بين هذه الظاهرة واعتماد خطبة الجمعة الموحدة في إطار برنامج «تسديد التبليغ»، الذي تشرف عليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، متسائلاً عن مدى قدرة الخطبة الموحدة، في صيغتها الحالية، على تحقيق مقاصد الوعظ والإرشاد والتربية الدينية، وتعزيز الوعي الشرعي، والتفاعل مع القضايا التي تشغل المجتمع.

ويؤكد المفكر أن خطبة الجمعة ليست مجرد نص يُتلى على المصلين، بل هي مناسبة دينية وتربوية ذات مكانة خاصة في الإسلام، تروم تذكير الناس بأمور دينهم، وترسيخ قيم الاعتدال والتضامن والإصلاح، وتقوية الصلة بين المسلم ومسجده. ومن هذا المنطلق، يرى أن تجديد الخطاب الديني والارتقاء بأساليب التبليغ يظلان من المداخل الأساسية لاستعادة جاذبية المساجد لدى الشباب.

العزوف عن المساجد وسؤال الأمن الروحي

ويحذر لخلوفي من اختزال العزوف المفترض عن صلاة الجمعة في مجرد موقف احتجاجي أو عدم اقتناع بمضمون بعض الخطب، معتبراً أن الأمر يستحق دراسة أعمق تستحضر التحولات الفكرية والاجتماعية التي يعيشها الشباب، ومصادر تلقيهم للمعرفة الدينية، ومدى ثقتهم في المؤسسات الدينية الرسمية.

وفي هذا السياق، يدعو إلى تعامل مسؤول مع الظاهرة، يقوم على رصد أسبابها الفعلية، والاستماع إلى انشغالات الشباب، وتقييم مدى ملاءمة الخطاب الديني لانتظاراتهم، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاكتفاء بالتفسيرات الجاهزة.

ويشدد المفكر على أن الأمن الروحي يشكل أحد المكونات المهمة للاستقرار المجتمعي، وأن تحصينه لا يتحقق فقط عبر المؤسسات والبرامج، بل يحتاج أيضاً إلى خطاب ديني رصين، يجمع بين سلامة المرجعية الشرعية، ووضوح الرسالة، وحسن التواصل، والقدرة على الإقناع.

الشباب بين خطاب الاعتدال وخطابات الاستقطاب

ويعبر لخلوفي عن تخوفه من أن يؤدي ضعف التأطير الديني لدى بعض الشباب إلى ترك المجال أمام خطابات متشددة أو تيارات مذهبية تسعى إلى استقطابهم، محذراً من مخاطر التطرف العنيف، بما فيه الفكر الداعشي، ومن الانجرار وراء خطابات مذهبية حادة تغذي الصراع والكراهية والانقسام.

كما يستحضر التحولات والصراعات الإقليمية في الخليج العربي والبحر الأحمر، وما يرافقها من سجالات سياسية ومذهبية وإعلامية، معتبراً أن هذه التطورات قد تؤثر في تصورات الشباب تجاه القضايا الدينية والسياسية، وتدفع بعضهم إلى تبني مواقف لا تستند بالضرورة إلى معرفة علمية متوازنة بتاريخ المذاهب الإسلامية أو خلفيات النزاعات القائمة.

وفي هذا الإطار، يبرز الكاتب أهمية تمكين الشباب من أدوات الفهم والنقد والتمييز بين المعطيات التاريخية، والخطاب الدعائي، والتوظيف السياسي للدين، بما يضمن عدم تحول الاختلافات المذهبية إلى مبرر للتعصب أو التحريض أو العنف.

التاريخ والتجربة الدينية في ميزان القراءة النقدية

ويستحضر الدكتور عبد الله لخلوفي بعض المحطات من التاريخ الإسلامي، ولاسيما سقوط بغداد في العصر العباسي، باعتبارها مجالاً للتأمل في أثر الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية وضعف الدولة في مصائر المجتمعات والحضارات.

كما يتناول مفهوم «التقية» في سياق نقده لبعض الممارسات التي ينسبها إلى التيارات الشيعية، داعياً، من وجهة نظره، إلى الانتباه إلى ما يعتبره مخاطر الاستقطاب المذهبي. غير أن تناول هذه القضايا يقتضي التمييز بين المواقف العقدية المختلفة، والوقائع التاريخية المثبتة، والتعميمات التي قد تؤدي إلى تأجيج الخلاف بين المسلمين.

فحماية المرجعية الدينية للمملكة، القائمة على الثوابت الدينية الوطنية، لا تتعارض مع ترسيخ ثقافة الحوار والمعرفة، بل تزداد قوة حين تستند إلى البحث العلمي، والتربية على الاعتدال، ورفض التكفير والتحريض أياً كان مصدرهما.

دعوة إلى مراجعة المقاربة وتعزيز الثقة في المؤسسات الدينية

ومن خلال هذا الطرح، يوجه لخلوفي رسالة تنبيه إلى المسؤولين عن الشأن الديني، داعياً إلى التعامل الجاد مع مؤشرات العزوف عن المساجد، إن أثبتتها المعطيات الميدانية، وإلى فتح نقاش مسؤول حول سبل تطوير خطبة الجمعة، وتحسين أداء الخطباء، وتعزيز التواصل مع الشباب، وتقديم خطاب ديني يجمع بين الأصالة والقدرة على معالجة قضايا العصر.

كما أن مواجهة التطرف والانغلاق المذهبي تقتضي، إلى جانب التأطير الديني، الاستثمار في التربية والثقافة، وتشجيع القراءة والتفكير النقدي، وتوفير فضاءات للنقاش العلمي الرصين، حتى لا تظل الأسئلة الدينية والفكرية للشباب رهينة مصادر غير موثوقة أو خطابات قائمة على الاستقطاب.

ويختتم المفكر مقاله باستحضار بيت شعري للشاعر العراقي معروف الرصافي، يحمل نبرة احتجاجية على الغفلة والتقاعس:

«نامُوا وَلا تَسْتَيْقِظُوا. ما فازَ إِلّا النُّوَّمُ»

وهي خاتمة تختزل، في سياق المقال، دعوة إلى اليقظة وتحمل المسؤولية، والعمل على صيانة الأمن الروحي للمجتمع، وتعزيز مكانة المسجد باعتباره فضاءً للعبادة والتربية والتوجيه، ومصدراً لترسيخ قيم الاعتدال والتآخي والتماسك الوطني.

**الإعلام الأخضر

اظهر المزيد

Kaza Aziz

صحفي مهني فاعل جمعوي مستشار تربوي باحث في سوسيولوجيا التنمية المحلية وسيط اجتماعي استاذ مادة الفلسفة مكون في تقنيات التدبير والتسيير المقاولاتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى