الاخبارتعليم
أخر الأخبار

التخلف ليس قدرًا؛ إنه منظومة من الآليات القابلة لإعادة الإنتاج

الدكتور عبد الله لخلوفي

من تفسير النتائج إلى مساءلة الآليات

تبدأ أهمية كتاب «آليات صناعة التخلف: وقفة صريحة مع الذات» من نقله السؤال من مستوى النتائج إلى مستوى الأسباب التي تجعل النتائج نفسها تتكرر. فبدل الاكتفاء بالسؤال عن أسباب تعثر مجتمع ما، يدعو المؤلف إلى تفحص الأنماط السلوكية والعقلية والثقافية التي توجه تصرفات أفراده، وتؤثر في مسار مؤسساته، وتحدد طبيعة علاقته بالنظام والقانون والمسؤولية. والفكرة المركزية التي يمكن استخلاصها من التمهيد هي أن التقدم والتخلف ليسا مجرد حصيلتين للموارد المادية، بل يرتبطان كذلك بأنماط من السلوك تتكرر حتى تتحول إلى عادات اجتماعية، ثم إلى قواعد غير مكتوبة توجه الحياة العامة. ومن هنا تتأسس أطروحة قابلة للتطوير النظري: *قد لا يكون التخلف مجرد وضع قائم، بل قد يتحول إلى منظومة تعيد إنتاج الشروط التي تسمح باستمراره.*

أولًا: مفهوم صناعة التخلف

تسمح فكرة «الصناعة» بالانتقال من تفسير ساكن للتخلف إلى تفسير ديناميكي. فالصناعة تفترض وجود عناصر وعمليات وعلاقات تنتج نتيجة معينة، كما تفترض أن النتيجة قابلة للتكرار ما دامت شروط إنتاجها قائمة.

وفي المجال الاجتماعي، يمكن أن تتكون هذه العملية من أربع حلقات:

1. سلوك يضعف احترام الوقت أو الواجب أو القاعدة.
2. تسامح اجتماعي مع السلوك أو تبرير له.
3. تحول الاستثناء المتكرر إلى ممارسة مألوفة.
4. انتقال الممارسة إلى الأجيال والمؤسسات، بحيث تصبح جزءًا من الواقع الذي يصعب تغييره.

وهذا النموذج أداة تحليلية لتطوير أطروحة الكتاب، وليس اقتباسًا حرفيًا من المؤلف. وتكمن قيمته في أنه يسمح بفحص التخلف بوصفه عملية اجتماعية مستمرة، بدل اعتباره صفة ثابتة في شعب أو مجتمع.

ثانيًا: العادات الفردية تتحول إلى نتائج جماعية

ينطلق المؤلف من ملاحظات الحياة اليومية: التعامل مع الوقت، واحترام المواعيد، والنظافة، والفضاء العام، وجودة الخدمات، وطريقة أداء الموظف لمسؤوليته. وتبدو هذه المسائل، في ظاهرها، صغيرة ومحدودة الأثر؛ غير أن تراكمها قد يكشف عن علاقة المجتمع بالنظام والمسؤولية والمصلحة المشتركة. فإذا اعتاد الفرد تجاهل قاعدة حين لا تفرض عليه كلفة مباشرة، ثم اعتاد الآخرون التسامح مع هذا التجاوز، نشأت فجوة بين القانون المعلن والسلوك الفعلي. وإذا امتدت هذه الفجوة إلى الإدارة أو التعليم أو التوظيف، أصبحت آثارها أوسع من حدود التصرف الفردي. لكن ينبغي الانتباه إلى أن السلوك الفردي ليس تفسيرًا كافيًا بمفرده. فالمواطن قد يتصرف في ظل خدمات ضعيفة، أو رقابة غير فعالة، أو قواعد متناقضة، أو حوافز تكافئ المخالفة أكثر مما تكافئ الالتزام. ولذلك فإن التفسير المتوازن يدرس الفرد والمؤسسة معًا.

ثالثًا: من الأخلاق الاجتماعية إلى علم المؤسسات

يمكن توسيع أطروحة الكتاب بالاستفادة من علم الاجتماع المؤسسي، الذي يهتم بكيفية تحول الممارسات المتكررة إلى قواعد وتوقعات مستقرة. فالمؤسسة لا تتشكل فقط من النصوص التنظيمية، بل أيضًا من السلوك الذي يتوقعه أعضاؤها بعضهم من بعض، ومن العقوبات والمكافآت التي تجعل بعض الممارسات أكثر احتمالًا من غيرها.

ويمكن التمييز هنا بين ثلاثة مستويات:

– *المستوى الفردي:* ماذا يفعل الشخص، ولماذا؟
– *المستوى الاجتماعي:* كيف يبرر المحيط ذلك الفعل أو يرفضه؟
– *المستوى المؤسسي:* ما القواعد والحوافز التي تسمح بتكراره أو تحد منه؟

بهذا المعنى، لا يكفي أن نطالب الفرد بالنزاهة إذا كانت آليات الاختيار والترقية والمحاسبة لا تحمي النزاهة. كما لا يكفي تعديل النص القانوني إذا ظلت الممارسة اليومية قائمة على الاستثناء والوساطة وتضارب المصالح.

رابعًا: التأصيل القانوني للمسؤولية العامة

يقدم الدستور المغربي أساسًا واضحًا لمناقشة العلاقة بين السلوك الفردي والمؤسسة. فالفصل 154 يربط تنظيم المرافق العمومية بالمساواة في الولوج، واستمرارية الخدمات، والجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية. ويؤكد الفصل 155 احترام القانون والحياد والنزاهة والمصلحة العامة، بينما يربط الفصل 156 المرفق العمومي بالإنصات إلى المرتفقين وتتبع ملاحظاتهم والتقييم والمراقبة. وتسمح هذه المبادئ بطرح سؤال جوهري: هل تتوافق الممارسة الإدارية اليومية مع المعايير التي يقررها الدستور؟ إن الفجوة بين النص والممارسة ليست مسألة أخلاقية فقط، بل قضية حكامة وحقوق ومساءلة مؤسساتية. كما أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ولا سيما المادتين 5 و7، توفر إطارًا لمناقشة سياسات الوقاية، وشفافية التوظيف العمومي، والاعتماد على معايير موضوعية مثل الجدارة والإنصاف والكفاءة.ولا يعني ذلك أن كل إخفاق اجتماعي يشكل مخالفة قانونية؛ بل إن التحليل القانوني يقتضي تحديد الواجب المقرر، والجهة الملزمة به، وآليات المراقبة والمساءلة، والجزاء الذي يسمح به القانون.

خامسًا: كيف تتحول الأطروحة إلى برنامج إصلاح؟

إذا كان التخلف يعاد إنتاجه بواسطة أنماط سلوكية ومؤسساتية، فإن الإصلاح ينبغي أن يستهدف حلقات الإنتاج نفسها. في التعليم، يعني ذلك حماية القيمة العلمية للتقويم والشهادات، بدل تخفيض المعايير لمسايرة الإخفاق. وفي الإدارة، يعني وضوح المساطر والآجال وإمكانية تتبع الملفات. وفي التوظيف، يعني اعتماد معايير موضوعية معلنة وقابلة للمراجعة. وفي الحياة العامة، يعني تطبيق القواعد بصورة متساوية، حتى لا يتحول الاستثناء إلى امتياز دائم. ويمكن قياس أثر الإصلاح بمؤشرات عملية، مثل احترام آجال الخدمات، ونسبة القرارات المعللة، وعدد الشكاوى التي عولجت، وشفافية مباريات التوظيف، ومؤشرات التعلم الفعلي، لا بمجرد إعلان النوايا. تمنحنا فكرة صناعة التخلف مدخلًا لفهم كيف يمكن لممارسات صغيرة ومتكررة أن تتحول إلى نتائج عامة واسعة. لكنها لا تبرر اختزال التخلف في عيوب أخلاقية للأفراد، ولا تسمح بإعفاء المؤسسات والسياسات من المسؤولية.

ان النهوض يتطلب تغيير السلوك، والحوافز، والقواعد، وآليات المساءلة في وقت واحد*. فالمجتمع لا يتقدم بمجرد إدانة اختلالاته، بل حين يحدد كيف تنشأ، وكيف تستمر، ومن يستفيد منها، وما الذي يجعل إصلاحها ممكنًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى