الاخبارالمرأةمجتمع
أخر الأخبار

النسوية بين دعوى التحرير ومساءلة المرجعية: قراءة نقدية في ضوء الفقه المالكي ومقاصد الشريعة.

بقلم المفكر عبد الله لخلوفي

لم يعد النقاش حول الحركة النسوية مقتصراً على المطالبة برفع الحيف عن المرأة أو ضمان حقوقها القانونية والاجتماعية، بل أصبح، في بعض تياراته الفكرية، نقاشاً يتصل بطبيعة الأسرة، ومفهوم السلطة داخلها، وحدود العلاقة بين الجنسين، وموقع الدين في تنظيم الحياة الفردية والجماعية. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مقاربة نقدية لا تكتفي بالشعارات المرفوعة باسم التحرر، ولا تنساق وراء التعميم في رفض كل ما يُنسب إلى النسوية، وإنما تخضع المرجعيات الفكرية والآثار الاجتماعية للمساءلة العقلية والشرعية والقانونية، في ضوء خصوصية المجتمع المغربي وامتداداته الحضارية . فليس كل دفاع عن حقوق المرأة خروجاً عن مقتضيات الشريعة، كما أن ليس كل خطاب يرفع شعار التحرر محصناً من النقد. والمناط في الحالتين هو مضمون المطالب، ومشروعية الوسائل، وعدالة النتائج، ومدى انسجامها مع الكرامة الإنسانية ومقاصد العمران الاجتماعي.

أولاً: النسوية باعتبارها مشروعاً فكرياً متعدد المرجعيات

تقتضي الموضوعية الفكرية التمييز بين النسوية باعتبارها طيفاً من الحركات والتيارات، وبين بعض تصوراتها الراديكالية التي تنظر إلى العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها صراعاً بنيوياً على السلطة والمصالح.

فقد ارتبطت نشأة بعض الحركات النسوية بمطالب مشروعة تتعلق بالتعليم، والأهلية القانونية، والمشاركة السياسية، والحماية من العنف والتمييز. غير أن تيارات أخرى تجاوزت هذه المطالب إلى مراجعة التصورات التقليدية للأسرة، وإعادة تعريف الأدوار الاجتماعية للجنسين، والنظر إلى بعض أشكال التنظيم الأسري باعتبارها امتداداً لعلاقات الهيمنة التاريخية. وفي هذا السياق، تُطرح أطروحات تعتبر الأسرة التقليدية فضاءً لإعادة إنتاج التفاوت بين الجنسين، وتدعو إلى تحرير المرأة من الأدوار التي ترى أنها فُرضت عليها اجتماعياً. غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول نقد الممارسات الظالمة إلى تعميم في الحكم على مؤسسة الأسرة، أو عندما يُختزل اختلاف الأدوار والمسؤوليات في علاقة صراع لا مجال فيها للتكامل أو التضامن.

إن المنهج النقدي الرصين لا يقتضي التسليم بهذه الأطروحات، كما لا يقتضي إنكار وجودها؛ بل يستوجب تفكيك منطلقاتها، والتمييز بين المطالب الحقوقية العادلة والتصورات الأيديولوجية التي قد تتجاوز معالجة الاختلالات إلى إعادة بناء المجتمع على أسس محل خلاف.

ثانياً: من نقد الهيمنة إلى إشكالية تفكيك الأسرة

تحتل الأسرة موقعاً مركزياً في البناء الاجتماعي، باعتبارها مجالاً للتنشئة، والرعاية، والتكافل، ونقل القيم بين الأجيال. ولذلك فإن أي تصور للتحرر الاجتماعي ينبغي أن يخضع، من حيث نتائجه، لاختبار قدرته على صيانة هذه الوظائف، لا لمجرد قدرته على نقد الأوضاع القائمة. ومن منظور نقدي، يمكن مساءلة بعض الأطروحات التي تجعل الاستقلال الفردي المطلق معياراً وحيداً للحرية، وتتعامل مع الالتزامات الأسرية باعتبارها قيوداً ينبغي التخلص منها، دون تقدير كافٍ لما تنطوي عليه من مسؤوليات أخلاقية وحقوق متبادلة. فالأسرة ليست مجرد علاقة تعاقدية بين أفراد منفصلين، وإنما هي مؤسسة اجتماعية تتداخل فيها الحقوق والواجبات، والمصلحة الخاصة والمصلحة المشتركة، والاختيارات الفردية ومتطلبات الرعاية والتنشئة. ومع ذلك، فإن الدفاع عن الأسرة لا يعني إضفاء المشروعية على الظلم داخلها، أو تبرير العنف، أو مصادرة أهلية المرأة، أو تحويل القوامة إلى تسلط، أو تحميل أحد الزوجين ما لا يطيق من الأعباء. فالأسرة التي لا تقوم على العدل والمودة والرحمة قد تفقد من مقومات استقرارها بقدر ما تفقده حين تُختزل العلاقة الزوجية في صراع دائم على النفوذ. ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نختار الأسرة أم الحرية؟ بل: كيف نبني أسرة تحفظ الحرية المسؤولة، وتضمن الكرامة المتبادلة، وتمنع الاستبداد، دون أن تفقد معناها التضامني ووظيفتها الحضارية؟

ثالثاً: المرأة بين الاستقلال الاقتصادي وإعادة إنتاج الهشاشة الاجتماعية

تستدعي بعض الخطابات النسوية تحرير المرأة من التبعية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال توسيع فرص العمل والمشاركة العامة، وتقليص ما تعتبره ارتباطاً قسرياً بالفضاء المنزلي. غير أن القراءة الاجتماعية لهذه الدعوات تقتضي التمييز بين تمكين المرأة باعتباره توسيعاً لقدراتها واختياراتها، وبين التصورات التي تجعل مغادرة المجال الأسري غاية في ذاتها، بصرف النظر عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بها. فخروج المرأة إلى العمل ليس في ذاته تحريراً أو استغلالاً، كما أن عملها داخل الأسرة ليس في ذاته خضوعاً أو انتقاصاً من كرامتها. وإنما تتحدد طبيعة كل وضع بحسب شروطه، ومدى تحقق الاختيار الحر، وعدالة توزيع الأعباء، وتوافر الحماية القانونية والاجتماعية. وقد تكشف بعض أنماط الاقتصاد الحديث عن مفارقة تستحق التأمل: إذ قد تتحول دعوات الاستقلال إلى مدخل لزيادة إدماج الأفراد في سوق العمل والاستهلاك، دون أن يقابل ذلك دائماً تحسن مماثل في شروط العيش أو توزيع المسؤوليات الأسرية. وقد تجد المرأة نفسها مطالبة بالجمع بين العمل المأجور والمهام المنزلية والرعاية، من غير إنصاف كافٍ لجهدها أو حماية لوقتها.لكن هذه المفارقة لا تبرر الجزم بأن جميع الحركات النسوية تخدم الرأسمالية، أو أن كل مشاركة للمرأة في الحياة المهنية تؤدي إلى استغلالها. بل تقتضي دراسة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ومدى استفادة النساء والرجال منها، وطبيعة توزيع المنافع والأعباء داخل المجتمع. إن التحرر الحقيقي لا يُقاس بمجرد انتقال المرأة من فضاء إلى آخر، وإنما بمدى امتلاكها القدرة على الاختيار، والحماية من الاستغلال، والاستفادة العادلة من ثمار عملها، والمشاركة في الحياة العامة دون أن تتحول إلى قوة عمل مستنزفة أو إلى طرف يتحمل وحده كلفة التوفيق بين متطلبات الإنتاج والرعاية.

رابعاً: الفقه المالكي ومقاصد الشريعة في بناء العلاقة بين الجنسين

يتيح الفقه المالكي، بما راكمه من أصول اجتهادية ومراعاة للأعراف والمآلات والمصالح المعتبرة، إمكان بناء مقاربة متوازنة لقضايا الأسرة والمرأة، بعيداً عن الجمود الذي يخلط بين الأحكام الشرعية والعادات الاجتماعية، وبعيداً كذلك عن الاستيراد غير النقدي لنماذج فكرية لا تستحضر بالضرورة خصوصيات المجتمع المغربي ومرجعيته الدستورية والحضارية.

فالشريعة الإسلامية تقرر أصل الكرامة الإنسانية، وتربط المسؤولية بالتكليف، وتؤكد العدل والإحسان، وتجعل الزواج ميثاقاً غليظاً قائماً على الحقوق والواجبات، لا مجالاً لإهدار كرامة أحد طرفيه.

قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، وهي قاعدة قرآنية تؤسس لفهم العلاقة الزوجية باعتبارها علاقة حقوق متبادلة، تضبطها قواعد المعروف والعدل، لا منطق الامتياز المطلق لطرف على حساب الآخر.

كما قال سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وهو توجيه يجعل حسن المعاشرة واجباً أخلاقياً وشرعياً، لا منّة يمنحها الزوج متى شاء، ولا مجرد فضيلة منفصلة عن مقتضيات الحياة الزوجية.

وفي التصور المقاصدي، لا يجوز أن تتحول المحافظة على الأسرة إلى ذريعة لإهدار الحقوق، كما لا ينبغي أن يتحول طلب الاستقلال إلى مبرر لإلغاء المسؤولية المتبادلة. فحفظ النفس والكرامة والمال والنسل، وصيانة الحقوق، ورفع الضرر، كلها معانٍ تستوجب النظر في مآلات الأحكام والتصرفات.

ومن القواعد الفقهية المقررة: «لا ضرر ولا ضرار»، وهي قاعدة تؤكد أن العلاقات الأسرية لا تُبنى على الإيذاء أو الإكراه أو استغلال الحاجة. كما أن مراعاة العرف، في حدود عدم مخالفته للنصوص والمقاصد، تقتضي الانتباه إلى التحولات الواقعية التي يعرفها المجتمع المغربي في التعليم والعمل وتكاليف المعيشة وأشكال الرعاية.

وعليه، فإن استدعاء المرجعية المالكية لا ينبغي أن يكون وسيلة لتبرير كل ما استقر عليه المجتمع من ممارسات، بل أداة للاجتهاد المنضبط الذي يميز بين الثابت والمتغير، وبين الحكم الشرعي والعرف الاجتماعي، وبين المسؤولية المشروعة والتسلط المرفوض.

خامساً: مدونة الأسرة بين المرجعية الشرعية والتحولات المجتمعية

إن النقاش حول المرأة والأسرة في المغرب لا يمكن فصله عن الإطار الدستوري والقانوني الذي ينظم الحقوق والحريات والعلاقات الأسرية، وفي مقدمته مدونة الأسرة وما يحيط بها من نقاشات إصلاحية.

ويقتضي المنهج القانوني التمييز بين الأحكام الملزمة الواردة في النصوص النافذة، والاجتهادات الفقهية، والمواقف السياسية والفكرية التي تتنافس في تفسير قضايا الأسرة وتوجيه إصلاحها.

فليس من الدقة أن تُنسب إلى القانون نتائج لم يقررها، أو أن تُعامل المطالب الأيديولوجية باعتبارها أحكاماً قانونية قائمة، أو أن يُختزل كل إصلاح في كونه استجابة للضغط الخارجي. كما أن الاحتجاج بالمرجعية الدينية لا يعفي من ضرورة فحص مدى تحقق العدل، وفعالية الحماية القانونية، وقدرة المؤسسات على معالجة النزاعات الأسرية بما يصون الحقوق ويحد من الضرر.

ومن منظور مغربي، فإن التحدي يكمن في بناء اجتهاد قانوني واجتماعي يستوعب تحولات الواقع، دون قطيعة مع المرجعية الحضارية للمجتمع، ويضمن حقوق المرأة والرجل والطفل في إطار من التوازن والمسؤولية.

ولا يتحقق ذلك بالمفاضلة الشعاراتية بين الأصالة والحداثة، بل بالحوار العلمي بين الفقه والقانون وعلم الاجتماع والاقتصاد، وبالاحتكام إلى الوقائع والإحصاءات وآثار السياسات العامة، مع احترام المؤسسات الدستورية والقواعد القانونية الجاري بها العمل.

سادساً: المرأة والرجل بين منطق الصراع وفلسفة التكامل

من أعمق الإشكالات التي يثيرها النقد الفكري لبعض التيارات النسوية تحويل العلاقة بين الرجل والمرأة إلى علاقة خصومة دائمة، يكون فيها انتصار أحد الطرفين مرهوناً بتراجع الآخر. فمثل هذا التصور، حين يُعمَّم، قد يضعف الثقة المتبادلة ويجعل الأسرة ساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية.

غير أن تجاوز منطق الصراع لا يعني إنكار الاختلالات الواقعية أو إسكات النساء اللواتي تعرضن للظلم، بل يقتضي معالجة هذه الاختلالات دون تحويلها إلى أحكام كلية على الجنسين.

فالرجل ليس، بحكم جنسه، نموذجاً للاستبداد، كما أن المرأة ليست، بحكم جنسها، موضوعاً سلبياً يحتاج إلى وصاية دائمة. كلاهما فاعل اجتماعي وأخلاقي، له حقوق وعليه مسؤوليات، وتخضع ممارساتهما لمعيار العدل والمساءلة.

والتكامل المقصود هنا ليس فرض أدوار جامدة على جميع الأسر، ولا إنكار اختلاف الظروف والقدرات والاختيارات، وإنما الاعتراف بأن الحياة المشتركة لا تستقيم إلا بالتعاون، والإنصاف، وتقاسم المسؤوليات بحسب الاستطاعة والاتفاق المشروع، مع صيانة حقوق كل طرف.

إن المجتمع الذي يحوّل الاختلاف إلى خصومة دائمة يستهلك طاقته في الصراع، بينما المجتمع الذي يؤسس لعلاقات عادلة يوجه تلك الطاقة نحو التعليم والإنتاج والتضامن وبناء المستقبل.

سابعاً: نحو نقد مغربي مستقل لا يكتفي باستيراد المفاهيم

إن الحاجة إلى قراءة مغربية مستقلة لا تعني الانغلاق على الذات أو رفض الفكر الإنساني لمجرد منشئه الخارجي، كما لا تعني التسليم بكل ما تنتجه النظريات الغربية باعتباره حقيقة كونية مكتملة.

فالمفاهيم، حين تنتقل من سياق حضاري إلى آخر، تحتاج إلى فحص شروط نشأتها وحدود صلاحيتها ومدى ملاءمتها للواقع الذي يراد تطبيقها فيه. وما يصلح لتفسير تجربة اجتماعية معينة قد لا يكفي وحده لفهم المجتمع المغربي، بما يتسم به من تداخل المرجعية الإسلامية، والتاريخ المؤسساتي، والتحولات الاقتصادية، والتعدد الثقافي.

ومن هنا، فإن مهمة المفكر المغربي ليست الدفاع الآلي عن الموروث، ولا تبني الخطاب الوافد دون تمحيص، بل ممارسة النقد المزدوج: نقد ما في الواقع المحلي من ظلم واختلال، ونقد ما في النظريات المستوردة من تعميم أو قصور أو افتراضات لا تسندها الوقائع.

ويقتضي هذا المنهج كذلك التمييز بين نقد الأيديولوجيا النسوية وبين الانتقاص من النساء، وبين الدفاع عن الأسرة وبين تبرير الممارسات المجحفة، وبين استحضار الفقه المالكي وبين تحويله إلى خطاب مغلق أمام الاجتهاد.

فالمفكر الذي ينشد الإصلاح لا يقيس قوة حجته بحدة عباراته، بل بقدرته على تفكيك المفاهيم، وفهم المصالح المتعارضة، والتمييز بين الدعوى والدليل، وبين المقصد والوسيلة، وبين الحكم الأخلاقي والتوصيف القانوني.

 لا تحرير بلا عدل، ولا أسرة بلا كرامة

إن مساءلة بعض المرجعيات النسوية تظل مشروعة متى انطلقت من الحجة العلمية، واحترام التعدد الفكري، وفحص الآثار الاجتماعية والقانونية للمطالب المطروحة. لكنها تفقد قيمتها حين تتحول إلى تعميم على النساء، أو إلى إنكار للمظالم التي تستوجب المعالجة، أو إلى افتراض أن كل دفاع عن الحقوق يستهدف الأسرة والمجتمع. وفي المقابل، فإن الدفاع عن الأسرة لا يستقيم إلا إذا كان دفاعاً عن أسرة عادلة، تُصان فيها كرامة المرأة والرجل، وتُحفظ فيها حقوق الأطفال، وتُوزع فيها المسؤوليات بإنصاف، ويُمنع فيها العنف والاستغلال والإكراه.

ومن منظور الفقه المالكي ومقاصد الشريعة، كما من منظور القانون والاجتماع، لا ينبغي أن يكون السؤال محصوراً في الاختيار بين نموذج أيديولوجي وآخر، وإنما في القدرة على تأسيس نظام اجتماعي يحقق العدل، ويرفع الضرر، ويحفظ الحقوق، ويصون الروابط الإنسانية. فالتحرر الذي ينتهي إلى استغلال جديد يحتاج إلى مراجعة، والتقاليد التي تتحول إلى غطاء للظلم تحتاج إلى إصلاح، والخطاب الذي يختزل الإنسان في جنسه أو موقعه داخل صراع اجتماعي يحتاج إلى تجاوز.

إن معيار الإصلاح ليس مقدار ما يعلنه من قطيعة مع الماضي، ولا مقدار ما يرفعه من شعارات الحداثة، بل مقدار ما يحققه من عدل وكرامة وأمان اجتماعي. وبين وفاء واعٍ للمرجعية الحضارية ونقد شجاع للاختلالات القائمة، يستطيع الفكر المغربي أن يشق طريقاً مستقلاً، يجعل الإنسان محور الإصلاح، والأسرة مجالاً للإنصاف، والقانون إطاراً لحماية الحقوق، والشريعة مصدراً للاجتهاد المقاصدي المسؤول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى