بقلم الدكتور عبد الله لخلوفي
لم يعد إصلاح منظومة التربية والتكوين بالمغرب مجرد ورش قطاعي يروم تحديث المناهج الدراسية أو مراجعة البرامج التعليمية أو توسيع العرض المدرسي، بل أصبح قضية مجتمعية واستراتيجية ترتبط بمستقبل الإنسان المغربي، وبقدرة الدولة على بناء رأسمال بشري مؤهل، قادر على الإبداع والإنتاج والمبادرة ومواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة.
وبعد عقود من الإصلاحات المتعاقبة، ومع تنزيل القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، واستمرار تنفيذ خارطة الطريق 2022-2026، يبرز سؤال جوهري يستحق نقاشًا وطنيًا عميقًا: هل تنجح المدرسة المغربية في تخريج متعلمين يمتلكون الكفايات اللازمة للاندماج في الحياة العملية والمساهمة في التنمية، أم ما زالت الفجوة قائمة بين التحصيل الدراسي والقدرة الفعلية على توظيف المعارف في الواقع؟
إن قيمة أي إصلاح تربوي لا تقاس فقط بعدد المؤسسات التي شُيدت، أو البرامج التي أُطلقت، أو الشهادات التي مُنحت، وإنما بمدى التحول الذي يحدثه في شخصية المتعلم، وفي قدرته على التفكير المستقل، وحل المشكلات، وتحمل المسؤولية، والعمل بروح المبادرة والمواطنة.
أولًا: الشهادة ليست كفاءة، والتحصيل ليس تعلمًا مكتملًا
من أبرز الإشكالات التي ينبغي أن تستأثر باهتمام الفاعلين التربويين التمييز بين امتلاك الشهادة الأكاديمية وامتلاك الكفاءة الحقيقية. فقد يحصل المتعلم على شهادة تثبت استيفاءه لشروط النجاح الدراسي، دون أن يعني ذلك بالضرورة قدرته على تعبئة معارفه ومهاراته لمواجهة وضعيات جديدة أو حل مشكلات عملية.
وتتجلى هذه المفارقة عندما يجد بعض الخريجين صعوبة في الانتقال من المعرفة النظرية إلى الممارسة، أو عندما لا تتناسب مكتسباتهم مع متطلبات التكوينات العليا أو سوق الشغل أو المبادرات المقاولاتية.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الشهادات أو من الجهود التي يبذلها المدرسون والمتعلمون، بل يستدعي إعادة النظر في مفهوم النجاح نفسه، حتى لا يظل محصورًا في النقط والامتحانات والانتقال بين المستويات، بل يشمل كذلك الفهم العميق، والقدرة على التحليل والتركيب، والتواصل، والتعاون، والاستقلالية، والتعلم مدى الحياة.
إن الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق استكمال المقرر إلى منطق ضمان التعلم، ومن قياس ما تم تلقينه إلى تقويم ما أصبح المتعلم قادرًا على فهمه وإنجازه وتوظيفه.
ثانيًا: المدرسة فضاء لبناء الشخصية، لا مجرد مؤسسة لنقل المعارف
ومن هذا المنطلق، تكتسي الجهود الرامية إلى تحسين التعلمات الأساسية، ولا سيما القراءة والكتابة والحساب، أهمية مركزية في الإصلاح الجاري. فالمتعلم الذي لا يمتلك هذه الأسس يظل معرضًا لصعوبات متراكمة تؤثر في مساره الدراسي وفي فرصه المستقبلية.
لا تؤدي المدرسة وظيفتها كاملة بمجرد تقديم الدروس وتنظيم الامتحانات؛ فهي فضاء اجتماعي وتربوي تتشكل داخله علاقة المتعلم بالمعرفة وبالعمل وبالآخرين وبالمجتمع.
فحين تتيح المؤسسة التعليمية للتلميذ فرص السؤال والمناقشة والبحث والتجريب والعمل الجماعي، فإنها تساعده على اكتساب الثقة بالنفس، وتنمية روح المبادرة، وتحمل تبعات اختياراته، واحترام القواعد المشتركة.
أما حين تتحول العملية التعليمية إلى علاقة أحادية الاتجاه، يكون فيها المتعلم مطالبًا بالحفظ والاستظهار أكثر من الفهم والاستكشاف، فإنها قد تحد من استقلاليته وتضعف قدرته على التفكير النقدي والتصرف في وضعيات غير مألوفة.
ولذلك، فإن تطوير المدرسة المغربية يقتضي تعزيز الحياة المدرسية، وتوسيع فرص الأنشطة الثقافية والعلمية والرياضية والفنية، وإشراك التلاميذ في المشاريع الجماعية، وإسناد أدوار فعلية إليهم في تدبير المبادرات المدرسية.
كما يقتضي ترسيخ قيم النزاهة والانضباط واحترام الوقت والملكية العامة والعمل المشترك، باعتبارها ممارسات يومية ينبغي أن يتعلمها الطفل داخل المؤسسة، لا مجرد مفاهيم نظرية ترد في المقررات.
فالمدرسة التي تنجح في بناء المعرفة، وتربي في الوقت نفسه على المسؤولية والمواطنة، تهيئ الفرد للاندماج الإيجابي في المجتمع، وتمنحه القدرة على المشاركة في تطويره بدل الاكتفاء بالتكيف السلبي مع اختلالاته.
ثالثًا: الأستاذ في قلب الإصلاح، بين التأهيل والاعتراف والمسؤولية
لا يمكن الحديث عن جودة التعليم بمعزل عن وضعية المدرس، باعتباره الفاعل المركزي في تحويل الاختيارات والسياسات التربوية إلى ممارسات داخل الفصل الدراسي.
ومن ثم، فإن تجويد التكوين الأساس والمستمر، وتطوير الكفايات البيداغوجية والرقمية، وتعزيز القدرة على تشخيص تعثرات المتعلمين ومعالجتها، ينبغي أن تشكل عناصر متكاملة في أي مشروع جاد للإصلاح.
وفي هذا السياق، يندرج الاهتمام بتجويد التكوين الأساس للأستاذات والأساتذة، الذي شكل موضوع لقاء وطني نظمته الوزارة الوصية في يونيو 2026، في إطار مواصلة تنزيل أوراش الإصلاح التربوي.
غير أن التأهيل المهني وحده لا يكفي؛ إذ يحتاج المدرس أيضًا إلى ظروف عمل مناسبة، ووسائل تعليمية فعالة، وبيئة مدرسية مستقرة، وإدارة قادرة على المواكبة والتأطير، فضلاً عن الاعتراف المجتمعي بمكانة مهنة التدريس.
وفي المقابل، تظل المسؤولية المهنية عنصرًا أساسيًا في ضمان جودة الأداء، من خلال الالتزام بالواجبات التربوية، والتفاعل مع حاجات المتعلمين، والمشاركة في تقويم الممارسات وتحسينها.
والمطلوب هنا ليس اختزال أعطاب المنظومة في المدرس، ولا إعفاء أي طرف من مسؤوليته، بل بناء علاقة متوازنة بين الحقوق والواجبات، تقوم على توفير شروط النجاح، وتحديد المسؤوليات، وتثمين الكفاءة، ومحاسبة التقصير وفق قواعد واضحة ومنصفة.
فلا إصلاح دون مدرس مؤهل ومحفز، ولا تطوير مستدام دون مؤسسات تتيح له أداء رسالته في ظروف تحفظ كرامته المهنية وتدعم استقلاليته التربوية المسؤولة.
رابعًا: مؤسسات الريادة واختبار الانتقال من الخطاب إلى النتائج
يشكل مشروع مؤسسات الريادة أحد أبرز الأوراش المرتبطة بخارطة الطريق 2022-2026، إذ يستهدف الارتقاء بالتعلمات الأساسية، واعتماد ممارسات تربوية فعالة، وتقديم دعم مستمر للمتعلمين المتعثرين، وتطوير التقييم والتدبير المدرسي.
وقد أعلنت الوزارة عن نتائج مشجعة للتقييمات المستقلة للمرحلة التجريبية، شملت تحسنًا في التعلمات وأداء المؤسسات والحياة المدرسية وانخراط مختلف المتدخلين. كما انطلقت عملية التوسيع التدريجي للمشروع في التعليم الابتدائي، بالتوازي مع تجريبه في التعليم الإعدادي.
لكن أهمية هذا الورش لا ينبغي أن تحجب ضرورة مواصلة التقييم الموضوعي لنتائجه، والتحقق من استدامة أثره، ومدى قدرته على تقليص الفوارق بين المؤسسات والمجالات الترابية والاجتماعية.
فنجاح الإصلاح لا يتحدد بمجرد تعميم نموذج تنظيمي أو اعتماد أدوات جديدة للتدبير، وإنما بمدى انعكاس ذلك على ما يتعلمه التلميذ فعلًا، وعلى قدرته على تجاوز التعثرات، وعلى تحسن فرصه في النجاح والاستمرار في الدراسة.
وهنا تبرز أهمية مشروع المؤسسة المندمج، باعتباره أداة لتشخيص الحاجات، وتحديد الأولويات، وبرمجة التدخلات، وتتبع النتائج، وتصحيح الاختلالات وفق معطيات دقيقة.
إن المؤسسة التعليمية التي لا تستثمر نتائج التقويم لتطوير أدائها تظل معرضة لتكرار المشكلات نفسها، مهما تعددت برامجها ومبادراتها. أما المؤسسة التي تتبنى ثقافة التقييم والتحسين المستمر، فإنها تجعل من كل تعثر فرصة للتعلم، ومن كل نجاح قابلية للتطوير والتعميم.
خامسًا: تكافؤ الفرص لا يعني فتح أبواب المدرسة فقط
من أهم التحديات التي تواجه التعليم المغربي تحقيق الإنصاف الفعلي بين المتعلمين، لا الاكتفاء بالمساواة الشكلية في الولوج إلى المؤسسات التعليمية.
فالطفل الذي يتابع دراسته في مؤسسة تتوفر على التجهيزات والموارد والأطر اللازمة لا ينطلق من الموقع نفسه الذي ينطلق منه طفل يواجه الاكتظاظ أو ضعف الوسائل أو صعوبات النقل أو الهشاشة الاجتماعية.
كما أن المتعلمين لا يتقدمون بالوتيرة نفسها، ولا يستجيبون دائمًا للطرائق التعليمية ذاتها. ومن ثم، فإن الإنصاف يقتضي تشخيص الفوارق، وتوجيه الدعم إلى الفئات والمناطق الأكثر حاجة، وتوفير فرص حقيقية للاستدراك والتدارك.
وفي هذا الإطار، تكتسب برامج الدعم الاجتماعي والتربوي، والتربية الدامجة، والحد من الهدر المدرسي، وتوسيع التعليم الأولي، أهمية خاصة، لأنها تساعد على معالجة بعض العوامل التي تعوق الاستمرار في الدراسة والتحصيل الجيد.
ولا ينبغي أن يتحول التعثر الدراسي إلى حكم نهائي على قدرات المتعلم، أو أن يصبح الأصل الاجتماعي أو المجال الجغرافي محددًا لمستقبله. فالمدرسة المنصفة هي التي تكتشف الصعوبات مبكرًا، وتعبئ الموارد المناسبة لمعالجتها، وتمنح كل متعلم فرصة حقيقية لإبراز إمكاناته.
وبالموازاة مع ذلك، ينبغي تطوير التوجيه المدرسي والمهني حتى لا يظل اختيار المسارات الدراسية محكومًا بالتصورات الاجتماعية أو بضعف المعلومة، بل يقوم على الكفايات والميولات والاستعدادات والآفاق الواقعية لكل مسار.
سادسًا: من ثقافة الانتظار إلى ثقافة المبادرة والإنتاج
إن إحدى الوظائف الأساسية للتربية هي تمكين الإنسان من الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن الاعتماد الدائم على الغير إلى القدرة على المبادرة وتحمل المسؤولية.
ويستدعي ذلك ربط التعلمات بمشكلات واقعية، وإتاحة فرص البحث والتجريب، وتنمية المهارات الرقمية، وتشجيع الابتكار والعمل الجماعي، وتعريف المتعلمين بأسس المبادرة المقاولاتية والتدبير المسؤول للموارد.
ولا يعني هذا تحويل المدرسة إلى مؤسسة للتكوين المهني الضيق أو إخضاع المعرفة لمنطق السوق وحده؛ فوظيفتها أوسع من ذلك، لأنها مسؤولة أيضًا عن بناء الشخصية المتوازنة، وتنمية الحس النقدي، وترسيخ القيم الإنسانية والوطنية، وإعداد مواطن قادر على المشاركة في الحياة العامة.
لكن من الضروري أن تتكامل هذه الوظيفة مع حاجات التنمية، حتى لا يبقى المتعلم محاصرًا بين معارف نظرية لا يعرف كيف يوظفها، وواقع عملي لا يجد فيه فرصًا مناسبة لإبراز كفاءاته.
ويقتضي ذلك تعزيز الجسور بين التعليم المدرسي والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي ومحيط الإنتاج، مع الحفاظ على استقلالية المدرسة ورسالتها التربوية.
كما يستدعي إعادة الاعتبار إلى العمل المنتج، وإلى قيمة الاجتهاد والإتقان، وإلى المبادرات التي تنطلق من إمكانات محدودة لكنها تستند إلى المعرفة والتخطيط والمثابرة.
فالتربية الناجحة لا تضمن للفرد مسارًا خاليًا من الصعوبات، وإنما تمنحه الأدوات التي تمكنه من فهمها ومواجهتها والبحث عن الحلول المناسبة لها.
سابعًا: الحكامة والمحاسبة مدخلان لاستعادة الثقة في المدرسة
لا يمكن لأي إصلاح أن يحقق أهدافه دون حكامة واضحة، وتنسيق فعلي بين المستويات المركزية والجهوية والإقليمية والمحلية، وتحديد دقيق للاختصاصات والمسؤوليات.
فحين تتعدد البرامج دون تنسيق، أو تُتخذ القرارات دون تشخيص كافٍ للحاجات، أو لا تُستثمر نتائج التقييم في تصحيح المسار، تتسع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة.
لذلك، فإن الحكامة التربوية ينبغي أن تقوم على التخطيط المبني على المعطيات، والشفافية في تدبير الموارد، والتتبع المنتظم للبرامج، والتقييم المستقل كلما اقتضت طبيعة المشروع ذلك، مع إشراك الفاعلين التربويين والأسر في بناء الحلول.
وتقتضي المحاسبة، في هذا السياق، التمييز بين التقصير الفردي والاختلالات البنيوية؛ فلا يجوز تحميل شخص واحد مسؤولية أعطاب تنتج عن نقص الموارد أو سوء التنظيم، كما لا ينبغي أن تتحول الصعوبات العامة إلى مبرر دائم لغياب المبادرة أو ضعف الالتزام.
إن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يعني العقاب وحده، بل يشمل تحديد الأهداف، وتوفير شروط تحقيقها، ومواكبة الفاعلين، والاعتراف بالمجهودات، وتصحيح الأخطاء، وترتيب الآثار المناسبة على النتائج.
وبذلك تصبح الثقة في المدرسة المغربية ثمرة تجربة يومية يلمسها التلميذ والأسرة والمدرس والمجتمع، لا مجرد خطاب رسمي أو شعار إصلاحي.
تامنا: الرهان هو الإنسان الذي تصنعه المدرسة
إن مستجدات الإصلاح التربوي بالمغرب تفتح إمكانات مهمة لتحسين جودة التعلمات، وتطوير أداء المؤسسات، وتعزيز دور المدرس، وتوسيع فرص النجاح أمام المتعلمين. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الأوراش ستظل مرتبطة بقدرتها على إحداث تغيير ملموس ومستدام داخل الفصل الدراسي وفي حياة المتعلم.
فالمطلوب ليس مدرسة تنتج الشهادات فحسب، وإنما مدرسة تبني الكفاءات، وتربي على المسؤولية، وتمنح المتعلم الثقة في قدرته على التعلم والعمل والإبداع.
وليس الهدف تخريج أفراد يتكيفون مع الواقع كما هو، وإنما إعداد أجيال تمتلك المعرفة والقيم والقدرة على المساهمة في تطويره، ومواجهة اختلالاته بوسائل سلمية وعقلانية ومنتجة.
إن إصلاح التعليم لا يكتمل بتغيير البرامج والمناهج وحدها، ولا بتعميم نماذج التدبير وحدها، بل يحتاج إلى انسجام السياسات العمومية، وجودة التكوين، وعدالة توزيع الموارد، وفعالية التقييم، واستعادة الاعتبار للعمل التربوي.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم كل مشروع إصلاحي هو: أي إنسان نريد أن تخرجه المدرسة المغربية، وأي مجتمع نريد أن نبنيه من خلاله؟
ذلك أن المدرسة ليست مجرد مؤسسة لتوزيع الشهادات، بل هي ورشة لبناء الإنسان، ومختبر لصناعة المستقبل، وأحد أهم الشروط التي يتوقف عليها تقدم المغرب وقدرته على تحويل طموحاته التنموية إلى واقع ملموس.





