الاخبارتعليم
أخر الأخبار

من التوحيد إلى العمران.. قراءة تفكيكية في مشروع المفكر عبد العزيز الإدريسي القيمي

يشكل كتاب «منظومة القيم القرآنية: مدخل مفهومي عام» للمفكر الإسلامي المغربي عبد العزيز الإدريسي محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين النص القرآني والواقع الإنساني من خلال سؤال القيم، غير أن أهمية هذا العمل لا تكمن فقط في مضامينه المباشرة، بل في البنية المفهومية التي يؤسس عبرها لمعنى “القيمة” داخل النسق الإسلامي المعاصر.

فالكتاب لا يقرأ القيم باعتبارها مجرد معطيات أخلاقية جاهزة، بل باعتبارها شبكة دلالية تتحرك داخل توتر دائم بين الأصل والواقع، بين النص والتاريخ، وبين الثابت والمتحول. ومن هنا، فإن مفهوم “التوحيد” الذي يفتتح به المؤلف مشروعه لا يظهر فقط كقيمة عقدية، وإنما كبنية مركزية تعيد إنتاج المعنى داخل مختلف القيم الأخرى، وكأن كل القيم تنبثق من مركز دلالي واحد قبل أن تتشظى داخل الواقع الإنساني المركب.

ويبدو واضحا أن الدكتور الإدريسي عبد العزيز ، المتأثر بالمدرسة القرآنية المغربية وبالامتداد الفكري للراحل فريد الأنصاري، يحاول تفكيك التصور الحداثي للقيم الذي يفصل الأخلاق عن المرجعية، ليعيد بناء مفهوم “القيمة” داخل أفق قرآني مقاصدي يجعل الإنسان مرتبطا بوظيفة الاستخلاف والعمران محققا لشرط التمكين الانساني .

غير أن القراءة التفكيكية لهذا المشروع الضخم تكشف أيضا عن حضور ثنائية مركزية: “العمران” باعتباره غاية، و”التوحيد” باعتباره أصلًا. وهي ثنائية تؤسس لمسار خطي يبدو منسجما ظاهريا، لكنه يحمل في داخله أسئلة معقدة حول إمكان الانتقال من المطلق القيمي إلى الواقع المتحول. فالقيم هنا ليست معطى نهائيا، بل هي مجال للصراع والتأويل وإعادة التشكيل.

كما أن اختيار حقل مفهومي قيمي مثل الحرية، والعدل، والشورى، والكرامة، لا يأتي باعتبارها مفاهيم معزولة، بل باعتبارها علامات دالة داخل معترك عالمي للقيم، حيث تتصارع المرجعيات وتتنازع المفاهيم حول معنى الإنسان والسلطة والهوية. ولذلك، فإن الكتاب لا يقدم فقط خطابا وعظيا، وإنما يسعى إلى إنتاج “معمار مفهومي فيفسائي” يعيد تعريف موقع القيم داخل المجال السياسي والتربوي والاجتماعي ويؤسس منطلقات لاخلاقيات تروم نهضة الأمة وتنميتها .

وفي هذا السياق، يبرز الدور العلمي ، الاكاديمي والتربوي لدور حركة التوحيد والإصلاح ليس لحركة اسلامية فقط ، بل كفاعل أساسي وشريك في المشهد المغربي، بمواكبة المشاريع الفكرية ذات البعد التربوي والقيمي، باعتبارها جزءا من النقاش المجتمعي الذي يروم الإصلاح وبناء الإنسان. كما أن أهمية هذا العمل تكمن في معالجته لما وصفه بـ“أزمة المعنى”، وهي العبارة التي تختزل بدورها تحولا عميقا في طبيعة الأسئلة المعاصرة؛ إذ لم تعد الأزمة أزمة معرفة بقدر ما أصبحت أزمة تأويل للوجود والمعنى والقيم.

إن كتاب عبد العزيز الإدريسي لا يطرح القيم باعتبارها أجوبة جاهزة، بل باعتبارها أفقا مفتوحا للتفكير وإعادة القراءة. ومن هنا تنبع أهميته داخل الفكر الإسلامي المعاصر، بوصفه محاولة لإعادة بناء العلاقة بين القرآن والإنسان والعالم، عبر منظور مقاصدي يسعى إلى تجاوز الثنائية التقليدية بين النص والواقع، دون أن يفقد مركزية المرجعية القرآنية.

اظهر المزيد

Kaza Aziz

صحفي مهني مستشار تربوي باحث في سوسيولوجيا التنمية المحلية وسيط اجتماعي مكون في تقنيات التدبير والتسيير المقاولاتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى