المفكر المغربي: عبد الله لخلوفي
خلال الأسابيع الأخيرة، أخذت تتردد في أوساط الرأي العام أحاديث عن ظاهرة مقلقة تتمثل في تراجع أعداد المصلين الذين يؤدون صلاة الجمعة، وهي ظاهرة تستحق الوقوف عندها بجدية، وفتح نقاش مسؤول حول أسبابها وانعكاساتها المحتملة على الأمن الروحي للمواطنين.
وقد بدأت ملامح هذه الظاهرة تبرز، بحسب ما يُتداول، منذ اعتماد خطبة الجمعة الموحدة في إطار مشروع «تسديد التبليغ»، وإرسال نصوصها أسبوعياً إلى الخطباء عبر الموقع الإلكتروني لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وبما أن هذا الموقع متاح لعموم المواطنين، فإن بإمكان أي شخص الاطلاع على مضمون الخطبة قبل موعدها، سواء في بيته أو مقر عمله أو المقهى أو أثناء السفر.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ما الذي تبقى من الأثر الوعظي والتربوي والاجتماعي لخطبة الجمعة، إذا أصبح مضمونها متاحاً سلفاً للجميع، قبل أن يلقيها الخطيب على مسامع المصلين؟ وأي دور ستؤديه في تذكير القلوب، وتعليم الناس أمور دينهم، وتوجيههم شرعياً، وتوحيد الصفوف، ومعالجة قضايا الأمة، وترسيخ قيم الإصلاح والتربية؟
إن لخطبة الجمعة مكانة عظيمة في الإسلام؛ فهي ليست مجرد كلمات تُتلى، بل مناسبة أسبوعية للتذكير والموعظة والتوجيه، وتعزيز الروابط الدينية والاجتماعية بين أفراد المجتمع. ومن هنا، فإن أي تغيير يمس طبيعتها أو طريقة تقديمها يستدعي تقييماً موضوعياً لمدى تحقيقه للأهداف المرجوة منها، مع الحفاظ على مكانتها في حياة المسلمين.
وفي الأسابيع الأخيرة، بات من الضروري التحقق من مدى صحة الملاحظات المتداولة بشأن تراجع الحضور إلى المساجد يوم الجمعة، والبحث في أسبابه، بعيداً عن التهويل أو الاستخفاف. فالمسألة لا تتعلق بمجرد اختلاف حول مضمون خطبة الجمعة أو طريقة إلقائها، بل قد تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يرتبط بعلاقة الشباب بالمؤسسات الدينية، ومدى شعورهم بأن الخطاب الديني يستجيب لتطلعاتهم وتساؤلاتهم واحتياجاتهم الروحية والفكرية.
ولو اقتصر الأمر على اعتراض بعض المصلين على توحيد الخطبة، أو شعورهم بضعف الفائدة من حضورها، لكان بالإمكان التعامل معه باعتباره نقاشاً حول أساليب التبليغ والوعظ. غير أن خطورة الموضوع تكمن في احتمال تحوّل هذا الاعتراض إلى عزوف عن المساجد، بما قد ينعكس على علاقة فئات من الشباب بالشأن الديني عموماً.
ومن هنا، تبرز أهمية الأمن الروحي للمواطنين، باعتباره أحد المكونات التي تسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي وترسيخ الاعتدال والتماسك الوطني. فالمساجد ليست مجرد فضاءات لأداء الشعائر، وإنما تؤدي، تاريخياً واجتماعياً، دوراً في التربية والتوجيه ونشر قيم التضامن والتكافل، وهو ما يجعل تطوير الخطاب الديني مسؤولية مشتركة تستدعي الإنصات إلى المجتمع وفهم تحولاته.
- هل ينتبه المسؤولون إلى تداعيات عزوف الشباب عن المساجد؟
ألا يجدر بالمسؤولين عن الشأن الديني، إلى جانب الجهات المعنية بالأمن الوطني، أن يتوقفوا عند المؤشرات التي يجري الحديث عنها بشأن تراجع حضور الشباب لصلاة الجمعة، وأن يدرسوا أسبابها الحقيقية وتداعياتها المحتملة؟
إن استمرار ضعف التواصل مع الشباب، إن ثبت وجوده، قد يفتح المجال أمام انتشار تصورات سلبية عن علاقة الدولة بالدين، خصوصاً في ظل تداول بعض الخطابات التي تزعم أن هناك تضييقاً على الممارسة الدينية. ومثل هذه التصورات، مهما كانت درجة صحتها، لا ينبغي تركها تتسع دون نقاش واضح وتواصل مسؤول يشرح السياسات الدينية وأهدافها، ويتيح للمواطنين التعبير عن ملاحظاتهم وتساؤلاتهم.
وتزداد أهمية هذا الأمر في زمن تتراجع فيه لدى بعض الفئات الرغبة في القراءة والتثقيف المعرفي، وتتعدد فيه مصادر التلقي والتأثير، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية. ففي مثل هذه البيئة، قد يجد الشباب أنفسهم عرضة لخطابات متشددة أو طائفية، تستغل ضعف المعرفة الدينية والتاريخية، وتقدم إجابات مبسطة ومضللة عن قضايا معقدة.
ومن بين هذه المخاطر تنامي الخطابات المتطرفة المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية، إلى جانب الخطابات الطائفية التي تسعى إلى استقطاب الأفراد عبر توظيف الصراعات السياسية والمذهبية في المنطقة. ومن ثم، فإن التصدي لهذه المخاطر لا يتحقق بالتخويف وحده، بل يحتاج إلى خطاب ديني رصين، وتعليم معرفي متوازن، وحوار جاد يرسخ قيم الاعتدال، ويحصّن الشباب من التضليل والاستقطاب.
ـ الصراعات الإقليمية وخطر توظيف الدين في الاستقطاب المذهبي
إن ما تشهده منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر من توترات وصراعات يطرح بدوره أسئلة مهمة بشأن تأثير الأحداث الإقليمية في الوعي الديني والسياسي لدى الشباب، خصوصاً عندما تُقدَّم هذه الأحداث في بعض المنابر الإعلامية باعتبارها صراعاً دينياً أو مذهبياً خالصاً.
فقد تؤدي بعض التغطيات الإعلامية والخطابات الدعائية إلى تقديم إيران أو جماعات مسلحة، من بينها الحوثيون، باعتبارها أطرافاً تدافع عن الإسلام في مواجهة الولايات المتحدة أو القوى الغربية، دون التمييز الكافي بين المواقف السياسية والمصالح الاستراتيجية والاختلافات المذهبية. وفي المقابل، قد تسهم خطابات أخرى في تعميق الكراهية الطائفية، وتغذية الأحكام الجماعية، وتوسيع دائرة العداء بين المسلمين.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن المواقف السياسية والعسكرية لا تكفي وحدها للحكم على صحة مذهب ديني أو بطلانه، كما أن الانتصارات العسكرية أو الصمود في مواجهة قوة دولية لا يشكلان، في حد ذاتهما، دليلاً على أحقية عقيدة أو مشروع مذهبي. فالقضايا الدينية والتاريخية تحتاج إلى معرفة موثقة ونقاش علمي، بعيداً عن الدعاية والتوظيف السياسي.
ومع ذلك، فإن احتمال استغلال الصراعات الإقليمية لاستقطاب الشباب إلى تيارات مذهبية أو أيديولوجية يظل موضوعاً يستحق الدراسة والانتباه. فقد تتحول مشاهد الحرب والمواجهة إلى مادة دعائية توظف المشاعر الدينية، وتستثمر الغضب من السياسات الدولية، لتقديم مشاريع سياسية أو مذهبية في صورة دفاع عن الإسلام والأمة.
ومن هنا، فإن مسؤولية المؤسسات الدينية والإعلامية تتمثل في تقديم قراءة متوازنة للأحداث، وتوضيح الفوارق بين الانتماء الديني والمواقف السياسية، ومساعدة الشباب على التمييز بين المعلومات الموثوقة والدعاية الموجهة.
وقد سبق لي أن تناولت جانباً من هذه القضايا في كتابي المعنون: «هل القرآن محرف أم الله لا يعلم؟»، الذي يتصل، بحسب موضوعه، بإشكالات تتطلب البحث والنقاش في ضوء المعرفة الدينية والتاريخية.
ـ التقية والخلافة العباسية: دروس التاريخ وحدود الاستشهاد به
ومن القضايا التي كثيراً ما تثار في النقاشات المتعلقة بالتشيع مسألة «التقية»، التي تُناقش في سياقات مذهبية وتاريخية متعددة، وتختلف تفسيراتها ووظائفها بين المدارس الإسلامية. ويذهب بعض منتقدي المذهب الشيعي إلى اعتبارها وسيلة لإخفاء المعتقدات الحقيقية، بينما يقدمها علماء شيعة باعتبارها مفهوماً فقهياً مرتبطاً بظروف الخوف والاضطهاد وحماية النفس.
ولذلك، فإن تناول هذه المسألة يقتضي التمييز بين المفهوم الديني كما تشرحه مصادره، وبين الممارسات السياسية أو الفردية التي قد تُنسب إليه في سياقات معينة. كما أن الاختلاف المذهبي، مهما بلغت حدته، لا ينبغي أن يكون مبرراً للتعميم أو اتهام جميع أتباع مذهب معين بالكذب أو التآمر.
أما التاريخ العباسي، فيقدم بالفعل نماذج متعددة لتداخل الصراعات السياسية والمذهبية مع تنافس مراكز النفوذ داخل الدولة. وتُذكر في هذا السياق شخصية ابن العلقمي، الوزير العباسي الذي ارتبط اسمه بسقوط بغداد على يد المغول سنة 1258م، وأثيرت بشأن دوره روايات تاريخية تتهمه بالتواطؤ مع هولاكو.
غير أن هذه الروايات تظل موضوعاً للنقاش بين المؤرخين، ولا يصح اختزال سقوط الخلافة العباسية، التي امتدت قروناً، في شخصية واحدة أو تفسير واحد. فقد تضافرت عوامل عسكرية وسياسية وإدارية، إلى جانب الاختلالات الداخلية، في إضعاف الدولة وتمكين المغول من دخول بغداد وتدمير أجزاء واسعة منها.
إن الاستفادة من التاريخ تقتضي قراءة الوقائع في سياقاتها، والتحقق من الروايات، وتجنب تحويل الأحداث الماضية إلى أحكام عامة على جماعات دينية معاصرة. فالدروس التاريخية الأهم تكمن في خطورة الانقسام الداخلي، وضعف المؤسسات، وسوء تقدير التهديدات، وتوظيف الولاءات السياسية والمذهبية على حساب المصلحة العامة.
- دعوة إلى مراجعة الخطاب الديني والإنصات إلى الشباب
إن الغاية من إثارة هذه القضايا ليست تأجيج الخلافات المذهبية أو بث الخوف من جماعة دينية بعينها، بل التنبيه إلى ضرورة التعامل بجدية مع كل ما قد يؤثر في علاقة الشباب بالدين، وفي ثقتهم بالمؤسسات الدينية، وفي قدرتهم على مواجهة خطابات التطرف والاستقطاب.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية تقتضي فتح نقاش مؤسساتي هادئ حول تجربة توحيد خطبة الجمعة، وتقييم أثرها في الحضور والتفاعل، ومدى قدرتها على الاستجابة لحاجات المصلين. كما تقتضي إشراك العلماء والخطباء والباحثين والمجتمع المدني، والإنصات إلى ملاحظات الشباب، والعمل على تقديم خطاب ديني واضح ومقنع، يجمع بين ثوابت الدين ومتطلبات الواقع.
فالأمن الروحي لا يُبنى بمجرد توحيد النصوص، وإنما بتعزيز الثقة، ونشر المعرفة، وترسيخ قيم الاعتدال، وإتاحة المجال أمام العلماء والخطباء للاضطلاع بدورهم التوجيهي والتربوي في إطار المسؤولية الدينية والوطنية.
وإذا كانت هناك مؤشرات فعلية على تراجع الإقبال على صلاة الجمعة، فإن تجاهلها لن يكون حلاً، كما أن تضخيمها دون معطيات موثوقة لن يخدم المصلحة العامة. والحل يبدأ بالتشخيص العلمي، والإنصات إلى المواطنين، ومراجعة الأساليب المعتمدة متى أظهرت التجربة الحاجة إلى ذلك.
وأختم بما قاله الشاعر العراقي معروف الرصافي، في أبياته التي تحمل دعوة إلى اليقظة ورفض الغفلة:
ناموا ولا تستيقظوا
ما فاز إلا النُّوَّمُ
وهي أبيات تختزل، في سياق هذا المقال، دعوة إلى اليقظة والمسؤولية، وعدم ترك الأسئلة المقلقة دون بحث أو معالجة.





