في مغرب يسعى إلى ترسيخ دولة الحق والقانون، لم يعد القضاء مجرد سلطة للفصل في النزاعات، بل تحول إلى رافعة أساسية لحماية الحقوق والحريات وتعزيز الكرامة الإنسانية. وفي قلب هذا التحول، يبرز دور المساعد(ة) الاجتماعي(ة) كفاعل محوري يجسد التقاطع بين القانون والواقع الاجتماعي، في انسجام مع التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة محمد السادس، الذي أكد في خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2022 أن “بناء مغرب التقدم والكرامة لن يتم إلا بمشاركة جميع المغاربة، رجالًا ونساءً، في عملية التنمية”.
هذا التوجه يجد سنده في ترسانة قانونية متكاملة، تتصدرها مدونة الأسرة (2004)، خاصة المواد 4 و5 و20 و21 و23 و24 و44 و53 و54 و60 و81 و82 و83 و84 و172، التي تؤكد على البعد الاجتماعي للأسرة وتتيح للقاضي الاستعانة بالمساعد الاجتماعي. كما يعزز هذا الإطار القانوني القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء (2018)، والقانون 15.01 الخاص بكفالة الأطفال المهملين، والقانون 27.14 لمكافحة الاتجار بالبشر، والقانون 65.15 المتعلق بمؤسسات الرعاية الاجتماعية، إضافة إلى القانون 97.13 المتعلق بحماية الأشخاص في وضعية إعاقة، والقانون 79.14 المتعلق بهيئة المناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز، والقانون 78.14 المحدث للمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، فضلًا عن القانون 58.11 المرتبط بالجنسية.
وتتعزز هذه المنظومة بمقتضيات الدستور، خاصة الفصول 42 و50 و132 و133، وبالبرامج الحكومية، من قبيل خطة “إكرام 1 و2” (2012-2021)، التي اعتمدت مقاربة قائمة على النتائج والتقليص من الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى جانب برنامج النهوض بالحقوق ومكافحة التمييز والصور النمطية.
وقد عرف إدماج المساعد(ة) الاجتماعي(ة) داخل القضاء مسارًا تدريجيًا، انطلق بتجربة نموذجية بين سنتي 2008 و2010 بعدد من المدن، قبل أن يتم تعميمها سنة 2011 داخل أقسام قضاء الأسرة، في إطار إحداث “فضاءات الأسرة” وتعزيز الوظيفة الاجتماعية للمحكمة.
على مستوى المحاكم الابتدائية، التي تشكل الواجهة الأولى للعدالة، يضطلع المساعد(ة) الاجتماعي(ة) بأدوار محورية في قضايا الأسرة والعنف. فهو يستقبل المرتفقين، خاصة النساء والأطفال، ويستمع إليهم، ويوفر لهم الدعم النفسي، كما ينجز أبحاثًا اجتماعية دقيقة تساعد القضاة على إصدار أحكام تراعي الواقع الاجتماعي. ويشمل تدخله أيضًا التوجيه نحو مراكز الإيواء والمؤسسات الصحية، والتنسيق مع مختلف المتدخلين، مع الالتزام الصارم بسرية المعطيات وصون الكرامة الإنسانية. وهنا يتجسد هدف أساسي يتمثل في أنسنة العمل القضائي وضمان نجاعة التدخلات.
أما على مستوى محاكم الاستئناف، حيث تنظر القضايا الأكثر تعقيدًا، من جنح وجنايات، بما فيها الاتجار بالبشر واختطاف القاصرين، فإن دور المساعد(ة) الاجتماعي(ة) يكتسب بعدًا أكثر تخصصًا. إذ يقوم بإعداد تقارير اجتماعية معمقة، ويواكب الأحداث في نزاع مع القانون، وفق مقاربة إصلاحية تضع المصلحة الفضلى للطفل في صلب الاهتمام، عبر تفضيل إعادة الإدماج داخل مؤسسات الرعاية بدل العقوبات السالبة للحرية.
وتبرز أهمية هذا الدور داخل خلايا التكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، سواء على مستوى رئاسة المحاكم الابتدائية أو النيابة العامة. حيث يشتغل المساعد(ة) الاجتماعي(ة) ضمن شبكة متكاملة تضم القضاة، والنيابة العامة، والضابطة القضائية، والمصالح الصحية، وجمعيات المجتمع المدني. وتتجلى مهامه في الاستقبال الفوري، والاستماع، والتوجيه، والمواكبة النفسية والاجتماعية، وإنجاز التقارير، إضافة إلى المشاركة في البحث التمهيدي مع احترام السرية وحماية الضحايا.
كما يشمل تدخله فئة الأطفال، سواء كانوا ضحايا للعنف أو في وضعية مخالفة للقانون، حيث يتم التركيز على الحماية وإعادة الإدماج، وتقديم تقارير حول أوضاعهم الاجتماعية، وفق ما ينص عليه القانون 65.15، مع الحرص على تتبعهم قبل وأثناء وبعد التكفل.
وفي إطار تعزيز التنسيق، تلعب اللجان المحلية والجهوية دورًا أساسيًا في تجميع جهود مختلف المتدخلين، من سلطات قضائية وأمنية وصحية واجتماعية، بما يضمن التكفل الشامل والفعال، في إطار حكامة جيدة وتخطيط مبني على النتائج.
هكذا، يتأكد أن المساعد(ة) الاجتماعي(ة) أصبح اليوم فاعلًا استراتيجيًا داخل المنظومة القضائية، يترجم النصوص القانونية إلى ممارسات ميدانية، ويُفعّل التوجيهات الملكية، بما يكرس عدالة أكثر إنصافًا وقربًا من المواطن، ويجعل من كرامة الإنسان حجر الزاوية في كل تدخل قضائي.





