الاخباركلمة الرأي
أخر الأخبار

رشيد سليماني: خلاصات تقييمية من الممارسة الانتخابية إلى سؤال الإصلاح السياسي

الخلاصة الأولى: الأمل في الإصلاح وإمكانات الانبعاث

رغم صعوبة الواقع وتراكم مظاهر العزوف وفقدان الثقة، فإن الأمل في الإصلاح ما يزال قائماً، كما أن شروط الانبعاث والتنمية ليست غائبة عن هذا الوطن. فما تزال هناك فئات وطاقات وطنية، من مختلف الشرائح الاجتماعية، تؤمن بأن الإصلاح ممكن، وأن بناء المستقبل يمر عبر تكاثف جهود المخلصين والغيورين على المصلحة العامة.

إن التحدي الأساسي لا يتمثل فقط في توفير الموارد والإمكانات، وإنما في تحرير الطاقات المجتمعية من منطق السلبية والأنانية ونكران الذات، وخلق شروط مؤسساتية واجتماعية تتيح للمواطنين، وخاصة الأجيال الصاعدة، العيش الكريم والمشاركة الفعلية في صناعة مستقبلهم.

ومن هذا المنظور، فإن الإصلاح لا ينبغي أن يُختزل في تغيير الأشخاص أو النخب، بل يتطلب تغييراً في أنماط التفكير والممارسة، وتعزيزاً للثقة في المؤسسات، وترسيخاً لثقافة المواطنة والمسؤولية وربط الحقوق بالواجبات.

ففي نهاية المطاف، هذه الأرض ما زالت تستحق الحياة، والاستثمار في الإنسان هو المدخل الحقيقي لكل مشروع إصلاحي.

الخلاصة الثانية: السياسة في العالم القروي بين منطق البرامج ومنطق العلاقات الاجتماعية

إذا كان جزء كبير من المجال الترابي المغربي يتكون من العالم القروي، موزعاً على جماعات ترابية متعددة، فإن فهم السلوك السياسي والانتخابي يقتضي التوقف عند الخصوصيات السوسيولوجية لهذا المجال.

فالممارسة السياسية في عدد من المناطق القروية لا تزال، في بعض الحالات، متأثرة بمنظومة من العلاقات الاجتماعية التقليدية، حيث لا تشكل البرامج الانتخابية دائماً المحدد الحاسم في الاختيار الانتخابي، بقدر ما تتداخل معها علاقات القرابة، والوجاهة الاجتماعية، وشبكات التأثير المحلي، والمصالح المتبادلة، وأحياناً أنماط من الزبونية السياسية.

وهنا تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بمدى قدرة الفعل الحزبي الحديث، القائم على البرامج والمؤسسات والمبادئ، على اختراق أنماط سياسية واجتماعية تشكلت عبر عقود من الزمن.

غير أن تفسير السلوك الانتخابي للناخب القروي بمنطق “المصلحة الآنية” وحده يظل تبسيطاً لظاهرة اجتماعية أكثر تعقيداً؛ فالناخب يتصرف داخل سياق اقتصادي واجتماعي وثقافي محدد، وقد تكون خياراته انعكاساً لضعف الثقة في المؤسسات، أو لغياب البدائل، أو للحاجة إلى ضمانات اجتماعية ومادية مباشرة.

ومن ثم، فإن العمل السياسي الإصلاحي في العالم القروي ليس مهمة انتخابية موسمية، بل هو مشروع مجتمعي طويل النفس، يبدأ ببناء تنظيم حزبي مؤطر ومؤهل، له امتداد فعلي داخل المجتمع، وينخرط في قضايا المواطنين اليومية، ويقدم بديلاً سياسياً قائماً على البرامج والنتائج وليس على الوعود الظرفية.

كما أن الأحزاب السياسية الجادة مطالبة بإعادة النظر في علاقتها بالعالم القروي، ليس باعتباره مجرد خزان انتخابي، وإنما باعتباره مجالاً اجتماعياً وسياسياً قائماً بذاته، يحتاج إلى التأطير والمواكبة وإنتاج النخب المحلية المؤهلة فكرياً وتنظيمياً وسياسياً.

الخلاصة الثالثة: أزمة الثقة كأحد أكبر تحديات المشاركة السياسية

مع انطلاق الحملات الانتخابية، برزت أمام الفاعلين السياسيين إشكالية مركزية تتمثل في كيفية استعادة ثقة المواطنين بعد سنوات من تراكم مشاعر الشك وعدم الرضا تجاه الممارسة السياسية والمؤسسات المنتخبة.

فالسؤال الذي كان يطرح نفسه يومياً لم يكن فقط: كيف نقنع المواطن بالتصويت؟ وإنما أيضاً: كيف نقنعه بأن صوته قادر فعلاً على إحداث الفرق؟

وتتعمق هذه الإشكالية عندما يلاحظ المواطن أن بعض المنتخبين لا يظهرون في المجال العام إلا خلال المواسم الانتخابية، دون أن تكون لهم حصيلة واضحة أو أثر ملموس في تدبير الشأن المحلي. كما أن بعض الممارسات المرتبطة بتوجيه الناخبين، واستعمال النفوذ، والضغط، والبلطجة الانتخابية، أو شراء الأصوات، تشكل مساساً بجوهر الاختيار الحر والنزيه، وبالمبادئ القانونية والدستورية التي تؤطر العملية الانتخابية.

وأمام هذه الوقائع، لا يكفي الخطاب السياسي وحده لاستعادة الثقة، كما لا يكفي تقديم برنامج انتخابي، مهما كان متقدماً. فاستعادة الثقة تحتاج إلى تراكم في الممارسة والمصداقية والإنجاز.

ولهذا كان استحضار منجزات الحزب، سواء من موقع التدبير أو المعارضة، محاولة لإقناع المواطن بأن المؤسسات تظل، رغم اختلالات الممارسة، فضاءً ممكناً للتغيير، وأن تعزيز الحضور داخل المؤسسات يمكن أن يساهم في نقل صوت المواطنين والمواطنات إلى مراكز القرار.

الخلاصة الرابعة: حماية الإرادة الشعبية مدخل للاستقرار الديمقراطي

ومع ذلك، تكشف التجربة الميدانية عن حقيقة أساسية ينبغي التوقف عندها: فجزء مهم من المواطنين لا يزال يؤمن بالإصلاح والتغيير وبإمكان بناء مستقبل أفضل.

وقد ظهر ذلك من خلال تفاعل فئات من الناخبين مع الخطاب السياسي الإصلاحي، واعتقادهم بأن التغيير يظل ممكناً متى احترمت الإرادة الشعبية، وتم الالتزام بالمقتضيات الدستورية والقانونية، وتم تحصين العملية الانتخابية من كل أشكال التلاعب أو التأثير غير المشروع.

وهذه الفئة تمثل، من منظور سوسيولوجي وسياسي، رصيداً مجتمعياً مهماً ينبغي للأحزاب والمؤسسات أن توليه عناية خاصة، لأنها تشكل قاعدة يمكن البناء عليها لتعزيز المشاركة السياسية وترميم الثقة المؤسساتية.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط على رفع نسبة المشاركة في الانتخابات، وإنما على بناء مواطن فاعل ومشارك ومؤمن بجدوى المؤسسات، من خلال التأطير السياسي المستمر، والتواصل المنتظم، والاستماع إلى انتظارات المواطنين، وربط المسؤولية الانتخابية بالمحاسبة والنتائج.

إن قراءة ما جرى من زاوية سوسيولوجية وقانونية تقود إلى نتيجة أساسية: **أزمة السياسة في المجال القروي ليست أزمة انتخابات فقط، وإنما هي أزمة ثقة وتأطير وتمثيلية وممارسة مؤسساتية.وتجاوز هذه الأزمة يقتضي الانتقال من السياسة الموسمية إلى السياسة المستمرة، ومن منطق العلاقات الشخصية والزبونية إلى منطق المؤسسات والبرامج، ومن التعامل مع المواطن باعتباره مجرد ناخب إلى اعتباره شريكاً في صناعة القرار العمومي.فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ يوم الاقتراع، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، من المدرسة والأسرة والمجتمع المدني والحزب والمؤسسة المنتخبة، وينتهي ببناء ثقافة سياسية تجعل من المشاركة المواطنة وسيلة لحماية الاستقرار وتعزيز التنمية وترسيخ دولة المؤسسات والقانون.

،

اظهر المزيد

Kaza Aziz

صحفي مهني فاعل جمعوي مستشار تربوي باحث في سوسيولوجيا التنمية المحلية وسيط اجتماعي استاذ مادة الفلسفة مكون في تقنيات التدبير والتسيير المقاولاتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى