في سياقٍ عربيٍّ مثقلٍ بتحدياتٍ اقتصادية واجتماعية خانقة، يبرز غياب نماذج قيادية حازمة وقريبة من نبض الشعوب، على غرار ما يُنسب إلى تجربة رجب طيب أردوغان في إدارة بعض الملفات الحيوية، وعلى رأسها دعم الفلاحين ومحاربة الوسطاء.
لقد عانت شرائح واسعة من المجتمعات العربية من اختلالاتٍ بنيوية في منظومة السوق، حيث تتحكم فئة من الوسطاء في مسارات الإنتاج والتوزيع، فتتضخم الأسعار بشكلٍ يرهق المواطن البسيط، ويُفرغ أي دعم حكومي من محتواه. فبينما تُقدِّم الحكومات دعماً مباشراً أو غير مباشر بيدها اليمنى، تُترك اليد اليسرى مفتوحة أمام المضاربين والمحتكرين، لامتصاص هذا الدعم وتحويله إلى أرباحٍ غير مشروعة.
هذا الواقع يُعمّق الإحساس بالظلم ويُغذي فقدان الثقة في المؤسسات، خاصة حين تغيب آليات المراقبة الصارمة، أو تُغلق أبواب المحاسبة في وجه المتلاعبين بقوت المواطنين. وفي ظل هذا الوضع، يجد المواطن نفسه عالقاً بين وعود رسمية لا تُترجم إلى أثرٍ ملموس، وسوقٍ منفلتة لا ترحم.
في المقابل، تُطرح تجارب أخرى – مثل التجربة التركية في بعض مراحلها – كنماذج تُثير التساؤل حول إمكانية كسر هذه الحلقة المفرغة. فقد اعتمدت مقاربات تقوم على تقليص دور الوسطاء، وفتح قنوات مباشرة بين المنتج والمستهلك، مع تدخل الدولة لضبط الأسعار وتسهيل النقل والتسويق. مثل هذه السياسات، حين تُنفذ بفعالية، لا تحمي فقط القدرة الشرائية للمواطن، بل تُعيد الاعتبار للمنتج المحلي وتُعزز الثقة في الدولة.
إن ما تحتاجه العديد من الدول العربية اليوم ليس فقط موارد إضافية، بل إرادة سياسية واضحة لإعادة هيكلة السوق، وتفعيل أجهزة الرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فغياب هذا الحزم هو ما يجعل معاناة الشعوب مستمرة، ويدفعها إلى التطلع نحو نماذج خارجية بحثاً عن أملٍ مفقود.
ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: متى تتحول الإرادة الإصلاحية في العالم العربي من خطابٍ إلى ممارسة، ومن وعودٍ إلى واقعٍ يلمسه المواطن في حياته اليومية؟





