الاخبارمجتمع

المبادرة أولاً ودائماً: التحولات الديمغرافية ورهانات التنمية الاجتماعية والاقتصادية بالمغرب

احتضن المعهد الوطني للإحصاء التطبيقي بمدينة العرفان بالرباط، مساء 13 فبراير 2026، ندوة علمية نظمتها جمعية المبادرة وطن أولاً ودائماً بشراكة مع المعهد، خصصت لمناقشة التحولات الديمغرافية التي كشف عنها الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.

لم يكن اللقاء مجرد عرض تقني للمعطيات الإحصائية، بل شكل فضاءً أكاديمياً لتحليل عميق للتحولات البنيوية التي يعرفها المجتمع المغربي، واستشراف انعكاساتها على السياسات العمومية في أفق 2050.

قدمت السيدة نادية الداودي، ممثلة المندوبية السامية للتخطيط، عرضاً تحليلياً لأبرز نتائج الإحصاء، حيث برزت مجموعة من التحولات الجوهرية:

المؤشرات الديمغرافية الكبرى – قراءة في الأرقام

تباطؤ النمو السكاني.

تراجع معدل الخصوبة إلى مستويات قريبة من عتبة تعويض الأجيال.

ارتفاع متوسط العمر المتوقع.

تسارع وتيرة التمدين.

تغير بنية الأسرة المغربية.

ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها نساء.

تزايد نسبة السكان البالغين 60 سنة فما فوق.

تكشف هذه المؤشرات عن انتقال المغرب إلى مرحلة متقدمة من التحول الديمغرافي، تتميز بتقلص قاعدة الهرم السكاني واتساع قمته، وهو ما ينذر بتسارع ظاهرة الشيخوخة السكانية خلال العقود المقبلة.

وأكد العرض على ضرورة اعتماد مقاربة استشرافية في التخطيط الترابي والاجتماعي، قائمة على استثمار المعطيات الإحصائية في بلورة سياسات عمومية مبنية على الأدلة.

تحولات الأسرة المغربية وإعادة تشكيل البنية الاجتماعية

أبرز محمد آيت عزيزي، مدير حماية الأسرة والطفولة والأشخاص المسنين بوزارة التضامن، أن ارتفاع عدد الأسر لا يعكس طفرة سكانية، بل يعكس انتقالاً من نموذج الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، مما أدى إلى انخفاض متوسط حجم الأسرة.

كما أشار إلى أن خمس الأسر المغربية تعيلها نساء، في دلالة على تحولات عميقة في الأدوار الاقتصادية والاجتماعية داخل الأسرة.

في هذا السياق، تعمل الوزارة على:

إعداد سياسة عمومية للأسرة في أفق 2050.

تطوير خدمات جديدة موجهة للمسنين.

تعزيز آليات الحماية الاجتماعية.

تنزيل برامج للنهوض بالطفولة المبكرة.

إعداد برامج لتأهيل المقبلين على الزواج.

القراءة الفلسفية للتحول الديمغرافي

قدم طارق بكريم قراءة إبستمولوجية لنتائج الإحصاء، معتبراً أن الإحصاء ليس مجرد عملية تقنية، بل هو أداة لوعي المجتمع بذاته.

ورأى أن تراجع الخصوبة يعكس تحولاً في علاقة الأسرة بالاستمرارية الزمنية، فيما يمثل الانتقال إلى الأسرة النووية شكلاً من “التذرر الاجتماعي”، بما يحمله من آثار على التضامن بين الأجيال.

تفتح هذه القراءة المجال أمام تساؤلات حول الهوية المجتمعية وإعادة تعريف مفهوم التضامن في ظل تحولات ديمغرافية متسارعة.

الأبعاد المجالية والاجتماعية للتحول الديمغرافي

شدد حميد موفراجي على أن التحول الديمغرافي متعدد الأبعاد، ويتقاطع مع:

-الفوارق المجالية.

-هشاشة النساء المسنات.

-ضعف المستوى التعليمي لفئات واسعة.

-عجز البنيات التحتية في الوسط القروي.

-الضغط المتوقع على أنظمة التقاعد.

كما نبه إلى محدودية انخراط المجتمع المدني في قضايا المسنين، داعياً إلى إدماجهم ضمن سياسات تواصلية وإعلامية تعكس حجمهم المتزايد.

التحول الديمغرافي بين المسار التاريخي والتغير القيمي

أكد العزيز بويحياوي أن المغرب يعيش استكمالاً لمسار الانتقال الديمغرافي الذي بدأ منذ عقود، تميز بـ:

-تحول بنيةالاسرة المغربية

-تراجع الوفيات.

-انخفاض الخصوبة في الوسطين القروي والحضري.

-ارتفاع سن الزواج.

-تراجع عدد الزيجات وارتفاع الطلاق.

-انتشار استعمال وسائل منع الحمل.

-ارتفاع نسبة التمدين.

هذه التحولات تعكس تغيراً في منظومة القيم والسلوكات الاجتماعية، وتؤثر بشكل مباشر في البنية السكانية المستقبلية.

الرهانات الاقتصادية ومخاطر “الفخ الديمغرافي”

حذر أحمد كشيكش من أن التحولات الديمغرافية قد تتحول من فرصة إلى عبء إذا لم يواكبها نمو اقتصادي قادر على:

-خلق فرص شغل كافية.

-توسيع البنيات التحتية.

-ضمان استدامة أنظمة الحماية الاجتماعية والتقاعد.

في حال غياب هذه المواكبة، قد يجد المغرب نفسه أمام ما يُعرف بالفخ الديمغرافي، حيث يصبح تقلص الفئة النشيطة وارتفاع نسبة المعالين عبئاً على المالية العمومية.

نحو إدارة استراتيجية للتحول الديمغرافي

 أكد عبد العزيز رباح أن التحو الديمغرافي يفرض مراجعة الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، مشدداً على أهمية فتح نقاش عمومي مسؤول حول مستقبل الأسرة المغربية.

 كما دعا الخبير الدولي د. خالد بنعلي إلى تبني مقاربة استباقية تستفيد من التجارب الأوروبية التي واجهت تدني الخصوبة وتسارع الشيخوخة، مبرزاً أهمية:

-إدماج المسنين في الدورة الاقتصادية بدل اعتبارهم عبئاً.
-تطوير مفهوم “الاقتصاد الفضي” باعتباره قطاعاً واعداً.
-تقليص الفجوة بين التحول الديمغرافي وسياسات سوق الشغل.
-اعتماد سياسات تحفيزية للخصوبة.
-إعادة هيكلة أنظمة الحماية الاجتماعية لضمان استدامتها.

وتفرض هذه التحولات الانتقال من تدبير ظرفي للمعطيات السكانية إلى إدارة استراتيجية للتحول الديمغرافي، تقوم على التخطيط بعيد المدى، وتعزيز العدالة المجالية، وضمان استدامة أنظمة الحماية الاجتماعية، واستثمار الإمكانات الاقتصادية للفئات العمرية المتقدمة.

إن الرهان المركزي لا يكمن في عدد السكان، بل في كيفية تدبير التحول الذي يعرفه المجتمع، وتحويله من تحدٍ بنيوي إلى فرصة تنموية مستدامة في أفق مغرب 2050.

 تكشف نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024 أن المغرب دخل مرحلة مفصلية من تحوله الديمغرافي، تتسم بتراجع الخصوبة وتسارع الشيخوخة وتغير بنية الأسرة.

اظهر المزيد

Kaza Aziz

صحفي مهني مستشار تربوي باحث في سوسيولوجيا التنمية المحلية وسيط اجتماعي مكون في تقنيات التدبير والتسيير المقاولاتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى