بقلم : نجوى حارب
في القاعات التي تحتضن الندوات الصحفية عقب الانكسارات الكبرى، لا تُختبر خطط المدربين أو أعصاب اللاعبين فحسب، بل يُوضع “ضمير المهنة” و”أهلية القلم” تحت مجهرٍ كاشف لا يرحم.ما حدث في ندوة وليد الركراكي لم يكن مجرد هفوة عابرة، بل كان سقوطاً مدوياً وتجسيداً حياً لـ “العدمية الإعلامية” التي باتت تنخر جسد الصحافة الرياضية، محولةً إياها من فضاء للتحليل الرصين إلى منصة للإعدام المعنوي. لقد انزاح السؤال عن وظيفته المقدسة كأداة للفهم، ليصبح نصلاً مصقولاً للاغتيال في لحظة انكسار إنساني.
بين فكر “المقاهي” وأصول “المهنة”
السؤال الذي وُجّه للركراكي: “فوقاش غادي تقدم استقالتك؟ واش اليوم ولا حتى لغدا فالصباح؟” لم يكن سؤالاً، بل كان تصريحاً عدائياً مغلفاً بعلامة استفهام. إن حصر الوجود الرياضي في ثنائية “الانتصار أو المقصلة” هو اختزال مخلّ، يُسقط عن الصحافة رداءها التحليلي ويُلبسها جبّة “المشجع الغاضب”.إننا أمام ردة مهنية تعيدنا إلى زمن “المقاهي” حيث تغيب لغة الأرقام والمنطق، وتحضر لغة العاطفة الجياشة التي لا تبني مشروعاً ولا تطور كرة.
فهل صار بلوغ النهائي الإفريقي فشلاً يستوجب الطرد؟ وهل تحوّل الاجتهاد الصادق إلى جريمة تستحق “المقصلة” بدل الميكروفون؟
الخطر الحقيقي لا يكمن في فجاجة السؤال، بل في “العقيدة الهدمية” التي تقتات عليها بعض المنابر؛ صحافة لا تهدف للمساءلة البناءة، بل لـ “تصفية المشاريع” وصناعة الإقالات من وراء الميكروفونات. وكأن دور الصحفي تحول من “ناقل للحقيقة” إلى “صياد رؤوس” يترصد سقوط الكبار ليقتات على أشلائهم في فضاء “البوز” الرقمي.لقد كان رد الركراكي، حين تساءل : “هل توجد صحافة مغربية هنا؟”، بمثابة كشف لعورة السؤال وفقر صاحبه. وبينما كان المدرب يرمم شروخ الهزيمة بمسؤولية القائد قائلاً: “أنا من يتحمل المسؤولية كاملة ولن أختبئ”، كان الطرف الآخر يغرق في مستنقع الاستفزاز، متجاهلاً أن نبل المهنة يُختبر عند الهزائم لا عند الانتصارات.
في مرآة الحقيقة: حين نُسائل السائل”
المسألة هنا لا تتعلق بالدفاع عن شخص الركراكي، بل بالدفاع عن “هيبة الصحافة المغربية” التي شوهها الدخلاء والطارئون. إن السؤال الذي طُرح لم يُهن المدرب بقدر ما أهان المؤسسة الإعلامية برمتها، وأسقط عن السائل صفة “الصحفي” قبل أن يهز مكانة المسؤول.لذا، وقبل أن نرفع عقيرتنا بمساءلة المسؤولين: “متى ترحلون؟”، حان الوقت لنوجه الميكروفون صوب هؤلاء المندفعين لنسألهم السؤال الأصدق : متى تتعلمون فعلاً كيف تكونون صحفيين؟
إن أزمة الصحافة الرياضية اليوم ليست في نقص “المعلومة”، بل في فائض “الوقاحة المهنية”. فقبل أن نطالب المدرب بـ “تاكتيك” الملعب، علينا أن نطالب بعض حاملي البطاقات بـ “تاكتيك” الأخلاق.. فالصحافة وعيٌ قبل أن تكون صوتاً، وفهمٌ للسياق قبل البحث عن العناوين الرنانة.





