يقدم الأستاذ والمؤرخ المغربي مصطفى الغاشي قراءة تتجاوز البعد الرمزي لتعيين امرأة على رأس الحكومة، وتضع الحدث ضمن مسار تاريخي طويل لتطور موقع المرأة المغربية داخل الدولة والمؤسسات السياسية. ووفق هذا المنظور، فإن أهمية اللحظة لا تكمن في جنس رئيس الحكومة في حد ذاته، وإنما في انتقال المرأة من مرحلة السعي إلى التمثيل والمشاركة إلى مرحلة ممارسة القيادة التنفيذية وتحمل المسؤولية السياسية الكاملة.
- من التمثيل إلى صناعة القرار:
تكمن القيمة التاريخية الأساسية في تحليل الغاشي في اعتماده على مفهوم التراكم. فالوصول إلى رئاسة الحكومة لا يظهر، في هذه القراءة، كحدث منفصل، وإنما كحلقة ضمن مسار بدأ بتوسع المشاركة السياسية للنساء، ثم دخولهن البرلمان والحكومة، وتوليهن مسؤوليات محلية وحزبية ووطنية. وبذلك ينتقل التحليل من دراسة حضور المرأة في المؤسسات إلى دراسة قدرتها على الوصول إلى مراكز صناعة القرار.
وتؤكد المعطيات التاريخية أن ولوج النساء إلى المجال السياسي المغربي ظل تدريجياً ومحدوداً في مراحله الأولى، قبل أن يتوسع لاحقاً، وهو ما وثقته أيضاً تقارير أممية حول تطور المشاركة النسائية في البرلمان والحكومة.
2. الدستور كإطار مؤسساتي للتحول من الناحية الدستورية:
يكتسب التحليل أهمية خاصة. فدستور 2011 ينص في الفصل 19 على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما ينص على سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة. ويضمن الفصل 30 حق المواطنين والمواطنات في التصويت والترشح، مع التنصيص على تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في الوظائف الانتخابية. أما الفصل 47 فيحدد آلية تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ولذلك فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، من الناحية الدستورية، لا ينشئ منصباً نسائياً خاصاً، وإنما يعني ممارسة امرأة لاختصاص سياسي ودستوري عام.
وهذه النقطة بالذات تجعل الحدث مهماً في تاريخ تطور المواطنة السياسية للمرأة: فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بحق المرأة في الوصول إلى المؤسسات، بل بقدرتها على ممارسة السلطة داخل الإطار الدستوري نفسه.
3. التحول من «قضية المرأة» إلى «قضية الدولة»:
من أكثر الأفكار أهمية في نص الغاشي انتقال النقاش من قضية تمثيل المرأة إلى قضية تدبير الدولة. فرئيسة الحكومة لا تصبح مسؤولة فقط عن الملفات المرتبطة بالمرأة، وإنما عن الاقتصاد والاستثمار والتعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية والسياسات العمومية والمالية والعلاقات مع البرلمان وتنسيق العمل الحكومي وغيرها. ومن ثم فإن معيار تقييم التجربة تاريخياً وسياسياً لا ينبغي أن يتوقف عند كون رئيس الحكومة امرأة، وإنما ينتقل إلى الأداء المؤسساتي والسياسات العمومية والإنجاز والمساءلة والحكامة. وهذا التحول الفكري يمكن اختصاره في الانتقال من سؤال:«هل تستطيع المرأة الوصول إلى السلطة؟» إلى سؤال:«كيف ستُمارس السلطة عندما تصل إليها؟»
4. المنصوري باعتبارها نموذجاً لمسار سياسي متدرج:
تكتسب شخصية فاطمة الزهراء المنصوري، في التحليل الذي يقدمه الغاشي، أهمية تتجاوز كونها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة وفق المعطى الذي ينطلق منه النص؛ إذ إن مسارها السياسي يجمع بين التدبير المحلي والمسؤولية الحكومية والعمل الحزبي.
ومن منظور تاريخي، يسمح هذا المسار بطرح سؤال أوسع حول تطور النخب السياسية النسائية في المغرب: هل أصبح النظام الحزبي قادراً على إنتاج قيادات نسائية تتدرج في المسؤولية من المستوى المحلي إلى الوطني، أم أن صعود المرأة إلى مواقع القيادة العليا يظل مرتبطاً بحالات فردية محدودة؟ وهنا تتحول تجربة المنصوري من مجرد سيرة سياسية إلى حالة يمكن أن تُدرس ضمن تاريخ تطور النخب السياسية المغربية.
5. المفارقة التاريخية:
الوصول إلى القمة لا يعني انتهاء المسار ومن الناحية الأكاديمية، من المهم الحفاظ على التمييز بين رمزية الحدث وبين واقع التمثيل السياسي للنساء. فتولي امرأة رئاسة الحكومة يمكن أن يشكل اختراقاً مهماً في قمة الهرم التنفيذي، لكنه لا يعني بالضرورة أن مشكلة التمثيل النسائي في مختلف المؤسسات قد انتهت. ولهذا فإن القراءة التاريخية الأكثر توازناً هي التي تنظر إلى الحدث باعتباره محطة ضمن مسار مستمر، لا باعتباره خاتمة لذلك المسار.
6. البعد الحزبي: هل تستطيع الأحزاب إنتاج قيادات نسائية؟
يفتح تعيين امرأة على رأس الحكومة سؤالاً مهماً حول دور الأحزاب السياسية في إنتاج النخب. فالمعيار التاريخي لتمكين المرأة لا يقتصر على عدد الوزيرات أو وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، بل يرتبط أيضاً بقدرة الأحزاب على بناء مسارات سياسية تسمح بتكوين أجيال متعاقبة من القيادات النسائية داخل البرلمان والحكومة والجماعات الترابية والجهات والهياكل الحزبية. وبذلك يصبح الحدث مناسبة لإعادة طرح العلاقة بين الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وتجديد النخب، والمشاركة السياسية للنساء.
- الدلالة الاجتماعية والثقافية:
يتجاوز الحدث المجال المؤسساتي ليحمل بعداً اجتماعياً ورمزياً. فصورة المرأة في المخيال السياسي المغربي تتغير عندما تنتقل من كونها موضوعاً للسياسات العمومية إلى موقع المشاركة في صياغة تلك السياسات وقيادة تنفيذها. غير أن القراءة الأكاديمية تقتضي أيضاً عدم اختزال التجربة في عبارة «انتصار المرأة»، لأن رئيسة الحكومة، بمجرد توليها المنصب، تصبح مسؤولة عن تدبير الشأن العام برمته، ويصبح موقعها السياسي محكوماً بالاختصاصات الدستورية والمسؤولية والمساءلة، وليس بالهوية الجندرية وحدها.
8. القيمة التاريخية الحقيقية ستحددها الممارسة:
أقوى ما في قراءة المؤرخ الغاشي أنها لا تعتبر لحظة التعيين نهاية القصة، بل بداية مرحلة قابلة للتقييم التاريخي لاحقاً. فالقيمة التاريخية لأي سابقة سياسية لا تتحدد فقط بكونها حدثت للمرة الأولى، وإنما بمدى قدرتها على إحداث تحول مستدام في المؤسسات والممارسات والنخب. وبالتالي، فإن السؤال التاريخي لا يتوقف عند: من هي أول امرأة وصلت إلى رئاسة الحكومة؟ وإنما يمتد إلى: هل سيؤدي هذا الوصول إلى تطبيع وجود النساء في مواقع القيادة السياسية العليا، وإلى توسيع إنتاج النخب النسائية داخل الأحزاب والمؤسسات؟
.





