يطرح الفقيه في القانون الدستوري الدكتور عبد الحق بلفقيه في تحليله مسألة أساسية في أعقاب إعلان نتائج الانتخابات التشريعية، تتمثل في أن العملية الانتخابية لا تنتهي قانونياً بمجرد إعلان النتائج، وإنما تدخل مرحلة جديدة تتعلق بالمنازعات والطعون الانتخابية أمام المحكمة الدستورية.
وتقوم الفكرة المركزية في هذا الطرح على التمييز بين النتيجة المعلنة سياسياً وإدارياً وبين النتيجة التي يمكن أن تستقر نهائياً من الناحية القضائية بعد استنفاد آجال الطعن والبت في المنازعات التي قد تُعرض على المحكمة الدستورية.
الطعن ليس مجرد اعتراض على النتائج
يوضح الدكتور بلفقيه أن الطعن الانتخابي لا يمكن أن يقوم على مجرد الشكوك أو الاتهامات المتداولة، وإنما يفترض وجود وقائع محددة وحجج ووثائق ووسائل إثبات يمكن أن تُعرض على القضاء الدستوري.
وتشمل المخالفات التي يمكن أن تكون محل منازعة، بحسب الحالات التي يذكرها، ما يرتبط بسير الحملة الانتخابية، واستعمال المال بصورة غير قانونية، والتأثير على الناخبين، ومخالفات عمليات التصويت وتشكيل مكاتب التصويت، ومضمون المحاضر، واستعمال الوسائل العمومية أو غير ذلك من الأفعال التي قد تمس بالقواعد القانونية المنظمة للانتخابات.
وهنا تكمن أهمية التحليل: ليس كل خرق انتخابي يؤدي تلقائياً إلى إلغاء النتيجة، بل ينبغي أن تكون المخالفة ثابتة، وأن تكون لها صلة مؤثرة بصحة الاقتراع أو بنتيجته.
من الاتهام الإعلامي إلى الإثبات القضائي
ومن أبرز الرسائل التي تحملها كتابة الدكتور عبد الحق بلفقيه دعوته إلى تجاوز مرحلة الاتهامات غير الموثقة والتراشق السياسي والإعلامي نحو المؤسسات المختصة.
فإذا كان لدى مرشح أو جهة معنية ما يثبت وقوع مخالفات مؤثرة، فإن الطريق القانوني هو تقديمها إلى المحكمة الدستورية وفق الشروط والآجال والشكليات المنصوص عليها قانوناً. أما إطلاق الاتهامات دون أدلة فلا يكفي، من الناحية القانونية، لتغيير النتائج المعلنة.
وبذلك، فإن القضاء الدستوري يؤدي وظيفة مزدوجة: حماية حق الطاعن في اللجوء إلى القضاء، وفي الوقت نفسه حماية العملية الانتخابية من الادعاءات التي لا تستند إلى وسائل إثبات جدية.
صعوبة إلغاء النتائج لا تعني استحالته
ويشدد الفقيه الدستوري على نقطة دقيقة، وهي أن إقناع المحكمة الدستورية بإلغاء انتخاب معين ليس أمراً سهلاً، لأن الأمر يتطلب إثباتاً جدياً للمخالفات وإثبات تأثيرها في النتيجة.
لكن صعوبة الطعن لا تعني استحالته؛ فمتى توفرت أدلة قوية على مخالفات ثابتة ومؤثرة، يمكن أن تترتب عنها آثار قانونية على نتيجة الاقتراع، وفق ما يدخل في اختصاص المحكمة الدستورية.
الآجال والإجراءات تكتسي أهمية حاسمة
وتكتسي الإشارة التي أوردها الدكتور الفقيه إلى المواد 32 إلى 39 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية أهمية خاصة، لأنها تبرز أن المنازعة الانتخابية ليست مساراً مفتوحاً بلا حدود، وإنما تخضع لآجال وإجراءات دقيقة، من بينها أجل الطعن في انتخاب أعضاء البرلمان، وشروط العريضة، وتحديد الأطراف، وعرض الوقائع والوسائل القانونية، وإرفاق الوثائق المؤيدة.
كما تتمتع المحكمة الدستورية، في إطار اختصاصاتها، بوسائل للتحقيق في الوقائع المعروضة عليها، ويمكنها طلب المحاضر والوثائق وإجراء التحقيقات اللازمة، قبل ترتيب الأثر القانوني المناسب، سواء برفض الطعن أو عدم قبوله، أو بتصحيح النتائج الحسابية، أو بإلغاء الانتخاب في الحالات التي يثبت فيها ما يبرر ذلك.
تكمن أهمية قراءة الدكتور عبد الحق بلفقيه في أنها تعيد النقاش حول نتائج الانتخابات إلى المسار الدستوري والقانوني والمؤسساتي.
فالنتائج المعلنة تمثل محطة أساسية، لكنها لا تعني بالضرورة إغلاق الباب أمام المنازعات الانتخابية. وفي المقابل، فإن وجود الطعون لا يعني تلقائياً أن النتائج ستتغير.





