أكد محمد صديقي، رئيس شبكة الأساتذة التجمعيين، أن إصلاح منظومة التربية والتكوين لم يعد مجرد خيار ظرفي، بل أضحى ورشاً استراتيجياً حاسماً في مسار التنمية الشاملة التي تشهدها المملكة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: إلى أي حد يمكن لمنظومة التعليم المغربية أن تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، وأن تسهم في بناء رأسمال بشري قادر على رفع تحديات المستقبل؟
وفي معرض معالجته لهذا الإشكال، شدد الدكتور محمد صديقي على أن الرهان الحقيقي يكمن في تثمين العنصر البشري وتحسين جودة التعليم بمختلف أسلاكه، باعتبار أن التنمية الشاملة لا يمكن أن تتحقق دون مدرسة قادرة على إنتاج الكفاءات وتأهيل الأجيال الصاعدة. وهو ما يفتح بدوره نقاشاً أكاديمياً حول مدى قدرة السياسات العمومية الحالية على تحقيق الالتقائية بين حاجيات سوق الشغل ومخرجات المنظومة التعليمية.
كما اشار إلى أن اختيار موضوع الندوة الوطنية المنظمة بمدينة فاس، يوم السبت 16 ماي 2026، في إطار سلسلة لقاءات “مسار المستقبل”، تحت عنوان: «من التعليم المدرسي إلى التعليم العالي في المغرب: حصيلة السياسات وآفاق المستقبل»، يندرج ضمن مواكبة الأوراش الوطنية الكبرى المرتبطة بإصلاح التعليم، بمشاركة نخبة من الأساتذة الباحثين والخبراء الجامعيين. وهنا يطرح تساؤل آخر نفسه بإلحاح: كيف يمكن للنقاش الأكاديمي والعلمي أن يتحول من مجرد تشخيص للإشكالات إلى قوة اقتراحية مؤثرة في صناعة القرار التربوي؟
وفي قراءته لمسار الإصلاح، نوه صديقي بالمجهودات التي تبذلها الحكومة في تنزيل الرؤية الملكية للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي، مؤكداً أن الحكومة أطلقت أوراشاً مهيكلة في قطاع التعليم، سواء على مستوى التعليم المدرسي أو التعليم العالي. غير أن الإشكال الذي يفرض نفسه، وفق مقاربة أكاديمية، يتمثل في مدى قدرة هذه الإصلاحات على تحقيق الأثر الفعلي داخل الفضاءات التعليمية والجامعية، خاصة في ما يتعلق بجودة التعلمات، وتكافؤ الفرص، والرفع من مؤشرات البحث العلمي والابتكار.
كما أشاد بالمجهودات التي يبذلها رئيس الحكومة والوزراء المشرفون على قطاع التعليم، معتبراً أن الانسجام في الرؤية والإرادة الإصلاحية يشكلان عاملاً أساسياً لإنجاح هذا الورش الوطني. وهو ما يدفع إلى التساؤل حول أهمية الحكامة والالتقائية المؤسساتية في إنجاح الإصلاحات التربوية، ومدى تأثير الاستقرار في الرؤية السياسية على استمرارية المشاريع التعليمية الكبرى.
وأكد صديقي أن المغرب يواجه تحديات كبرى تتطلب تكامل الأدوار بين مختلف الفاعلين، معتبراً أن الاستثمار في الرأسمال البشري يظل المدخل الأساسي لتحقيق التنمية المجتمعية الشاملة. ومن هذا المنطلق، دعا إلى مواصلة تحسين جودة التعليم، وتطوير المناهج الدراسية، وتوفير بيئة أكاديمية محفزة قادرة على تنمية قدرات الطلبة وتعزيز إدماجهم في سوق الشغل، في إشارة واضحة إلى ضرورة الانتقال من منطق التلقين إلى منطق بناء الكفايات والمهارات القابلة للتكيف مع التحولات الرقمية والمعرفية المتسارعة.
وفي ختام مداخلته، شدد رئيس شبكة الأساتذة التجمعيين على أن دور الأكاديميين لا ينبغي أن يقتصر على التدريس والبحث العلمي فقط، بل يتعين أن يمتد إلى المساهمة الفعالة في صياغة السياسات العمومية والانخراط المسؤول في النقاشات الوطنية المرتبطة بقضايا المجتمع والتنمية. وهو طرح يعكس وعياً متزايداً بأهمية الجامعة المغربية باعتبارها فضاءً لإنتاج المعرفة ومختبراً لصياغة التصورات الاستراتيجية الكفيلة بمواكبة التحولات الوطنية الكبرى.





